أنين الروح

ياسمين نصار

ليل..
بقايا ضوء يتسكع خلال الطرقات...
و هواء يتلو صلاته الأخيرة استعدادا للرحيل...
و أنت...
ما زلت تغزل أطراف القصة...
تلك القصة الطويلة..الحزينة..
ما زلت تلفظها من فائها..إلى نونها..
عابرا بأشليوس[1] كلماتك ...
بحر اللام..وجزر السين والطاء..
ثم تتأوه تارة عند الياء..وتبكي تارة أخرى عند النون..
لأنك تعلم أنها و"الأسطقس[2]" سيان..
لقد أمست فلسطينك سيدي ..
أسطقسا كبيرا..
ترقص فيه الفراشات هنيهة..قبل أن يلتهمها غول البحيرة الحمراء..
وتذوب....
وتذوب معها كل الأشياء كأسماك صغيرة...
جفت مياه البحر عنها..
ولكنها أبت إلا أن تعوضها..
وان كان ذلك البحر ..بحر دموعها ودمها..
*****
أسمعتم سادتي يوما عن سماء تحكي قصة المطر الأحمر ...
ذلك المطر..وتلك القصة..
قصة الرقص على ساحات المذابح..
التي تتقنها أرجل وحشية..
وتعزف ألحانها.. أنامل عاجية..
بدقات هستيرية ..وصوت ثمل يأبى السكوت..
في بلادنا ..يكثر هذا النوع من الحفلات..
فقد أمست جزءا من التراث ..
بل ..عفوا سادتي..ليست جزءا فقط..
بل هي التراث عينه..
رقص جنوني..بأرجل وحشيه ..
وأنامل عاجية ..دقات هستيرية..
صوت مخملي ثمل...
وتعيد الأنغام نفسها ...لتتكرر المأساة نفسها..
لتمسي قصة المجزرة ..
هي القصة التي تغفو عيون الأطفال عليها ..
وتستيقظ من جديد ..والقصة ذاتها ما زالت..
دورة.. تنخر عقول الأطفال..
هذا الطفل الذي لم يسمع قصة الأميرة و الأقزام ..
ولا قصص الربيع ..والطفولة التي تلعب بأناملها الغضة مع خيوط أشعة الشمس..
لتحثها على السطوع في كبد السماء ..
لترقص الطفولة على أكاليل الشمس..وتغني..
تغني للسعادة ..والوطن الحر..
*****
بحق السماء ..وبحق براءة الأطفال..
وبحق دموع النساء ..وبحق كل شيء..
لماذا غابت الشمس عن سماء أطفالنا؟!
ولماذا لبس الليل ثوب الحداد ..وعلى مَن؟؟
على أجساد تفحمت من حرارة الشمس..!!
أم على الدموع التي شقت ردائها الشفاف..لتبدله برداء احمر مقيت..؟!
أم على الزهرة التي شقت طريقها..وغاصت في ثنايا البحر الأحمر..؟!
ذلك البحر الذي اكتشفته زهرة فلسطينية..
لتضيف بحرا جديدا في خريطة العالم ..
ينبع من قلوبنا ..ويصب في بحر العرب..
مَن يعرف متى سيجف هذا البحر ..وكيف؟!
لن أناجي الشمس من جديد..ولن أناجي عودة الحب والربيع ..
بل سأحمل فأسا ومنجلا..وأزرع الورد في الأرض المحروقة ..لأن مترا سنا هنا ..
وهذه الطيور التي في السماء ستغني للفجر القادم..
وهذه المرة لن يكون من السماء ..وإنما ستشرق شمسنا من الأرض والزهور التي ارتوت ماء احمر غزير
 

ملاحظة:

[1] - اشليوس:السفينة التي غادر (رجب) فيها بلاده إلى فرنسا في رواية (شرق المتوسط) للروائي عبد الرحمن منيف.
[2]
- أسطقس:الجحيم عند الإغريق