ثرثرة ليست في الجزء الأخير من الليل

نهيل مهنا
20سنة/غزة

صباح مشرق على ما يبدو، ورغبة ملّحة تتملكني اليوم بالذات للسير على الأقدام إلى طريقي المعهود بالرغم من بعد المسافة وسأصل منهكة ، وبنشاط لا يليق بيوم دراسي كامل... إلا أن فكرة سيطرت عليّ كلياً وجذبتني من يديّ؛ قطة فخورة بنفسها تجتاز الشارع بثقة، وكأنها حريصة على رياضة المشي في الصباح؛ كانت أول مخلوق صادفني أثناء رحلتي... الطريق نصف خال، لم يستيقظ الجميع بعد أطفال مدارس يجرون وراءهم الملل اليومي في حقائب، وأطفال نصف عراة يلعبون بالوحل وبعصفور ميت؛ مستمرة في طريقي، لفت انتباهي إعلان غريب بمكان ملتو لم أعهده من قبل (ترقبوا... افتتاح فرع جديد للمقبرة) 

فعلاً.. فهو الشيء الوحيد الذي يحتاج لتوسيع في هذا الزمن الضيــــق، قدر الشهيد أن يموت واقفا كشجرة.

يا إلهي أي عصر هذا ..أرى أشخاصا يطأطئون رؤوسهم في حياء، تخاف من المطالبة بأبسط الحقوق، قانعة بأقل ما هو قليل.. يا له من زمن، وأنا أرى الأكثر جرأة منا جميعا هو الرضيع الذي يطلب حقه بأعلى صوتـه، أو ربما قوانين الـمد والجزر لم تعد تعترف بجذور الأشياء ومداها؛.

على ماذا أتأسف!  أعلى شعب أصبحت وجباته الخفيفة هي موجز الأنباء، وقمة سعادته خبر تفجير دبابة ما بعبوة ناسفة في تل أبيب أو قرب مستوطنة أم على طريقي الذي ضللته، وأنا في هالة من التفكير الــمرهق.

حسناَ .. الآن أنا في غير الطريق الصحيح، وكبريائي العنيد في هذه اللحظة الحرجة يمنعني من أن أتساءل ببــساطة

 "أين أنــــــا" وقد تجاوزت العشرين عاما، وليكن... من منا الآن يعلم في أي طريق هــــو؟!

حسنا، سأساير الوضع، وكأني في الطريق الصائب، وهاهي الخطوات ثابتة.. واثقة كالعادة.. كم الوقت الآن ؟ بالتأكيد ليس الثانية عشرة، لم يكن للوقت كبير معنى، المهم أن اليوم الدراسي الشاق انتهى قبل أن يبدأ.

مقهى في زاوية ... أو زاوية في مقهى لا فرق؛. غـزة صغيرة جداً ، ولا تحتار فيها أو كما قال السائق ذات يوم ...

"غــــزة أشبه بالكراج" يروق لي فنجان من القهوة الآن، لم تنتظر، حتى أكمل مشروعي التخيلي، يد صغيرة تجذبني من كمي.. طفل صغير على شكل بائع متجول يريدني أن أشتري علكة ، ولكني لا أحبها، ولا أذكر أني يوماً علكتها لـطالما اعتبرتها مضيعة للوقت، ولكنه يصر .."قلت لـكَ ..لا أطيقها"، "اشتريها لأختكِ .. الله يخليكِ" يصر و يصر، يا سلام،  لا يهم من يأكلها!  المهم اشتري.. على مضض قلت: "أعطني هذه... بنكهة القهوة "هكذا حققت لي نصف المشروع؛. كانت هناك على الجانب الآخر طفلتان تلعبان أمام المنزل؛ إحداهما في غاية الجمال والأناقة،  شعرها طويل ومصفف، وتلبس فستانا فيه زحمة ألوان، ذكرني بأزهار الربيع، وكأنها مغرورة ومعتزة بمظهرها، أما الأخرى فهي أقل من عادية؛ طفلة بسيطة جداً ، ومن الصعب أن تلفت النظر، ولكن ما أدهشني فيهما إهمال الطفلة الجميلة لنظافة غزة، فهي تأكل، وتلقي الأغلفة على الأرض. في حين أن الطفلة الأخرى تأخذ القمامة وتلقيها في الحاوية، وتعود لتؤنب الأولى، استمر هذا التصرف أمامي ثلاث مرات؛ الطفلة الأولى تصر، والثانية لا تمل. ذكرني ذلك الموقف بمقولة رسام مشهور "لا تبحث عن الجمال لأنك بجانبه تفقد جمالـك".

وهنا الجمال وحده لا يكفي، كنت أتساءل عن السر في ميل الطفلة لارتداء ملابس أمها الحريرية أو حذائها الكبير وحقيبة اليد طبعاً ، وما أن تكتمل أنوثتها حتى تبدأ بالرقص، وكأنها ترتدي مقـتـنياتها لأول مرة ..

وأنا في الطريق نفسه، لم أغيره بعد،  يشدني حنين للمرور بجانب ذلك البيت.. كان لـصديقةٍ تركت هذه البلاد في محاولة فاشلة للتـغيـيـر.. حنين غريب بلا غاية أو مبرر قادني إلى هناك، كان من الصعب إقناعها أن التغيير الذي ترجوه يجب أن يبدأ من داخلنا.. بترويض النفس على ما هو مقبول وموجود.. والقناعة التامة بأنه في أي وقت يجب أن تكون في أحسن حالاتها، ولكن اليأس لفها، وكاد يخنقها، فلم تكن من وسيلة إلا الاستسلام وهو أضعف الحلول... (أقنعت نفسها أنه النصيب، ولا مفر منه) لم يكن حلمها، ولكنه الواقع، ومن قال أن الأحلام جميعها تتحقق! هناك أحلام نموت على يدها، وما الغريب في ذلك، فالمرء دائماً يتمسك بمن لا يشبهه. .

ذكريات بلا منزل.. هنا درسنا.. هنا احتسينا الشاي.. وهنا كان الوداع الأخير، إلا أن حكمة في ركن ما تقول "السعادة اكتشاف متأخر"، ولكن مع كل هذا يلح عليّ سؤال اعتباطي "لماذا الأنثى دائماً من يحتفظ بالذكرى؟" وصورة في إطار أتوق إلى أن لا أراها في غرفتها، ذكرني ذلك بقصة حب مجوفة جمعت مي زيادة والعقاد، زادت معها سخريتي من الرجال المتحضرة شكلاً، ويجعلني ذلك أتمسك أكثر بوجهة النظر القائلة (لولا كدح النساء اليومي من شروق الشمس حتى غروبها لما وجد الرجال الورق الذي يكتبون عليه أفكارهم المتخلفة عن المرأة).

في الطريق نفسه استوقفتني جدل بين أولاد تجمعهم حلقة عند بائع مثلجات؛ عن أول من تجرأ وقذف النووي! وكان هذا الحوار بمناسبة الذكرى السنوية لمأساة هيروشيما كما سمعت منهم؛ ياله من يوم حافل، وأنا أتلذذ بمفاجأته، كان ذلك أكثر استفزازاً من الغوص في نهار مجرد من رمادية الأشياء الأبدية أو معرفة الأكثر عن حياة لاعب كرة قدم، وليكن ..نيرون عشق روما مرتين! وهناك من يمارسون لعبة الموت بطريقة مسلية يقولون أن"الكون ينحني لإرادة الغابات"، تلك تذكرني بمحطة في حياتي أقف عندها دائماً، وفي الوقت نفسه أفضّل الابتعاد عما يحييها في داخلي، لا أريد الحديث عنها الآن.. فلا يحتمل الموقف مزيداً من النفاق؛. لا أقصد شهيتي..لأن معدتي اقتحمتـني بشدة، ولكن النسيم حمل لي مقاطع غير واضحة من قصيدة كاظم الجديدة (هو الذي دمر أحلامي ..هو الذي أمطرني هما...... خيراً به... كأنني صرت له النهار ...... النهار) ذكرني ذلك بحفلته في نهاية الأسبوع، كدت أنساها وسط هذا اللغط،، أشعرني ذلك ببعض الشبع ، مساءً أنا الآن في سوق فواكه وخضراوات، على ما أظن بائعة ميسورة الحال تأبى أن تبيع محصولها دفعة واحدة لـمشتر ثري بل تريده نهارا حافلا بطقوس يومية لتشعر بقيمة اليوم المقبل.. أعجبني موقفها، وأنا أعلم جيداً أنها منذ زمن ما لم يكن هذا حالها

 ((إن لم تفعل ما تحب فلتحب ما تفعل)) قالتها صديقة لي في موقف مشابه، غريبة ستكون الغابة هذا الخريف، يالها من بناية لطالما شغلت تفكيرنا أنا والصديقات أثناء إيابنا من الجامعة،  منا من تقول أنها مطعم، والأخرى تخمن أنها سفارة لبلد أجنبي، وأخرى تفوق التوقعات وتكاد تجزم بأنها سكن للطلاب، والأغرب من ذلك كله أنه بعد إنشائها لم يهتم أحد بما أصبحت عليه، على كل حال، فلقد كانت حقلاً للتخمين بالنسبة لـنا، كل شئ نواته التفكير أو على الأقل كما أسمع عادةً  "الإشارات تشكّل اللغة".

فضاءات ليس لها بدر، السواد بدأ يلف المنطقة، وتلك الأجواء ليست بغريبة عليّ وكأنها أجواء منطقـتـنا؛ إذاً في خط الرجوع، أنا أحمد لله.. فلقد كانت فكرة الضياع مخيفة قليلاً. سلب بصري في تلك اللحظة فتاة وشابا يتحدثان بصمت، فهو الوقت الملائم للعشاق، وشعور فضولي في الاستماع إليهم، يسيطر عليّ..

يقول الشاب:أغداً سنزرع البحر؟؟

تقول مازحة:عرافتي في إجازة!

يقول: ولكن الليل كلفني باستثمار حلمنا الصغير!.

تقول:كوخنا يحتاج لترميم

جذبني جداً صوت الأمل في نبراته بينما هي لم تشف بعد من فيروس اليأس

وإذا بمقولة يابانية تتذكرني "الإصبع يتآكل إذا أخلفت الوعد"

 فما البال بذلك الشاب الذي يريد أن يبلطّ ..أقصد يزرع البحر، وتلـك التوقيعات الساذجة في الحب ما أكثرها على الجدران، خطت بيده وبأيدي الكثيرين من الشباب مثله.

تأخر الوقت كثيراً هذه المرة، ولا مفر من الرجوع، لليل رائحة الصمت، وشيطاني لا يحرسه أحد، ولم يبق سوى أفكار ممزقة على حبل الغسيل، فلقد كانت تجربة جديدة؛. لا أدري أهي ثرثرة.. فكاهة.. أو ضجر يعاني من وحدة... أو ربما مذكرات لمن يهوى التفكير بصوت مرتفع.