هي... عينان

نشأت عطا الله الشجاعية
دير جرير

كنت قد تركتها هناك... وذهبت
" هناك" على مقعد الشتاء الخشبي ..مبتلة
تتعلق حبات الندى بوجنتيها لتتنفس بلورات الثلج رائحة الندى
 المنبعث من فمها.
ذهبت إلى ذلك الطريق المزدحم
ودخلت في هذا القمر الضبابي لعلي أحصل على ما أريد
محوت نفسي في البياض
وبدأت أنسج أحلامي من حقول القمح، حيث تركت
سنبلتي الخضراء تستحم بالعبق المتعلق بنسائم الصبح
بنيت أمالاً من حبات الندى
وغرقت في بحر الأمل
ولم أتعلق سوى بقطرة من الضباب
أخذتني معها حيث يولد ما أريد
وأجلستني على رصيف واد.. يفيض بذكرى حيث كنت طفلاً
في عيناها.
صليت لينقضي خريف الذكرى قبل الغروب
لأدفن ملامحي في رمال القمر.. لعله لا يأتي
سأبقى متعلقا..ً أسير فوق قطرات المطر
وسأحلم بالثلج الأحمر
وبيادر سنبلتي الخضراء
سأحلم بصبح فيروز
وسأسبح في تلك الينابيع الندية،  وأقفز عن تلك النجوم الليلية
وأبحر في حقول عيناها حيث تركتها،
لعله لا يعرف ولا يأتي...
" هو" ذلك القادم
جدول رفيع من الماضي يشق القم وما نسجته.
يمتد من عيناها حيث تركتها هناك
يجري على ذكرى فاضت من الوادي
يجفف بيادر سنبلتي الخضراء وينثر أشواكاً حيث كنت أحلم
ويبقي على زنبقة حمراء غرست في رحمها عينان بريئتان أرى فيهما الماضي والغد يتعانقان
ماض حاكمته أشواك سوداء قطعت من قلبي عنقود ذكراها ورمته
في بحر أحزاني
وغد ظله أبيض كنت قد بنيته من الدمع الثلجي في عيناها حيث تركتها،
لكنه ذاب وجرى مع ذلك الجدول القادم من الماضي
بحثت عنك ولم اجدك
" هناك" في واقعي على المقعد الخشبي حيث تركتها وهربت
و" هنا" في مخياتي الجافة التي هجرها غدي النائم في مستنقع آلامه
ونبتت حشائش الخوف وترعرت أشجار الذل
وبقي مستكيناً ينتظر بحر الأمل الذي أعرقه
وينتظر الماء الثلجي المتدفق من عيناها
ليحرق أحلامه وأماله ويتدفأ بها.
غدي مات في مخيلتي،
وأغتصبت عقلي وواقعي اليتيم...
نظرت خلف قطرة من الندى لعلي أشاهد شيئا منها
ً لكني رأيت صحراءً من سراب الذكرى حيث كنت أحلم،
رايتني أسير مع قطيع البؤساء وأضحك!
وأدركت قطار العمر العائد للماضي،
لأزرع  حشائشي فوق رموش عيناها
وأروي اشجاري من البحر حيث غرقت
هي ستحملني
روائح الصبح التي ولدت من فجر السماء
قالت لي إذرف دمعك واروي داخلك المقهور،
لا يهمك مصيرك
إرجع لماضيك وأمش في طريقك الأبيض
وستشم رائحة المسك من بعيد
وتعود لك روحك المفقودة في جسدك
لكنك ستبقى أسير في نفسك.
تلك النفس التي تكرهها
فلا تنتظر ما انتظرت طويلاً
شلالات الفجر الهاربة من يأسك
لتحملك وتضعك في شمس عيناها
حيث تركتها هناك.. وذهبت