القدر الحزين

خالد مغري
21 سنة – جامعة القدس المفتوحة

ملء حرقة الانتظار تائه حائر غريب في دنياه لأول مرة تأخذه أفكاره للبعيد القريب تناجي السماء أن تخفف من وطأة الانتظار لتعود الأفكار من جديد،  تداعب ثنايا عقله لتقطع له تذكرة السفر إلى المجهول الذي  لا يعلم ماذا يخبىء له بين طياته،  ترى أهي ريح تحمله فوق أمواج البحر لتتلقاه حيتانها، كحرس تصطف أمامه ترافقه إلى حيث لا يعلم؟ أم أنها عاصفة هوجاء بدوامة كبيرة تدور به وتنسه عالمه وتطير به إلى كوكب آخر، لا انتظار فيه لينضم إليه القدر في هذه اللحظة العصيبة بعد أن هجره منذ زمن،  فعز عليه هجرانه ليعود مرة أخرى في حلكة الليل يشاركه، ويقاسمه ويخفف عنه قسوة الانتظار،  جاءه وفي جعبته مسرحية ذكرياته وواقعه المرير يقدمها له على طبق من الذهب النفيس الغالي،  فيراقب الفتى تسلسل أحداث المسرحية في شغف مبتدءاً برفع الستار، ماراً باللوحات الرائعة الجميلة ليتوقف لحظة عند لوحة من الوحات ترقرقت عندها الدمعة،  وأبت أن تبقى مكانها لتشق طريقها دون رادع يوقفها ليتابع الطريق،  تحمله الأحداث وترفرف بجناحيها وتحلق عاليا عبر بوابة الزمن متمرداً على عقارب الساعة ليرى نفسه في عالم مليء بالغرائب فكل ما يتمناه يجده فيه مهما كان حجمه أو نوعه،  فالخوف فيه يُعاقب، والنميمة تحاسب والغدر فيه يسجن،  والطعن في ظهر الصديق يقتل، فلا مكان للحسد فيه،  ولا أخ يقتل أخيه،  ولا يأكل القوي الضعيف.

ويعاود متابعة احداث المسرحية من جديد مع لوحة جديدة يرى فيها تعاقب الليل والنهار وتزاحم الكبار والصغار ويراقب تحركات الناس في مختلف الأعمار فهذه الأم تركت طفلها في أزقة الطرقات والتفتت إلى مسايرة جارتها لتتابع حديثا بدأت به منذ زمن ولكنه لا ينتهي، وذاك الأب يصارع ثيران العمل، تارة يغلبها ويشعر بنشوة الانتصار،  وينهي عمله في وقت قصير ويحصل على علاوة تسد رمقه وطوراً تصرعه،  ويتراكم العمل عليه لتلتف حول عنقه حلقات الزمن آخذة بالضيق، أما الشاب فكل ما يشغل تفكيره هو ما سيفعله بعد انتهاء العمل فسرعان ما يتزين ويتعطر ليوافي فتيات منطقته حسب الميعاد الذي أبرمه لنفسه ليرى ما حرمته تقاليده أن يراه منذ صغره، وفي هذه اللحظة يسدل القدر الستار معلنا نهاية المسرحية، والدمع ينسال من عينيه، يعانق الفراش الناعم، وتضاء الأنوار بإشراقة الشمس معلنة بدء يوم جديد لتحط الرحال بالفتى من جديد في حلة جديدة لينطلق إلى ما كان يتظره.