قال الحصار

فداء الأعرج
17سنة/غزة

سريعة هي حين تركض أو حين تتسلل في غفلة منا،بطيئة كالسلحفاة حين نراها، نجلس معها أو نعدها بطيئة حين نقف، وتمشي عنا دونما شئ سوى التفاتة لا نلحق أن نفسرها قبل أن تعاود المسير .. هي أيامنا العابرة الباقية حين نكون معا أصدقاء نصرخ بفرح لأننا اكتشفنا كيف تمتص نحلة الرحيق، نتبادل الأسرار عن ولادة القمر ونلهو بألواننا الضاحكة حينا الباكية أحيانا .. حين نكون معا وحين تكون هي معنا نتساءل في جزع كيف يمضي هذا الوقت؟ ما أسرعه ؟!"كنا نتشبت به لأجل مكالمة نجريها، مسألة نحلها أو قصيدة تكتبنا، ولكنه كان يمضي قبل أن نكتمل .."أما الآن" قال المحاصر "لأي شئ سأستبقيه؟! كل المكالمات أجريناها..مرحباً كيف الحال ؟أي حال لا تسأل ..صباح/مساء الخير _لا فرق هل (راح) أحد نعرفه؟أين راح ؟؟ ربما إلى ما وراء الشمس، لا أدري أو في أحد الأزقة، ورحت تنظر من العلا بأسف :يا أسفي عليك يا لباسي الجسد، لم يعد للكلام جدوى، والأكثر من هذا لم يعد هناك كهرباء لأشحن هاتفي النقال أو طاقة تمكنني من اللهفة، كل شئ غدا ضبابا فلا أرى شيئا أستبقي الوقت ؟"للأخبار"؟ لعل فيها ما يثيره ..أخبار؟قالها المحاصر بسخرية"أي حدث ونحن الحدث ولا متحدث ؟تعرفين؟فكرت ذات مرة:لا بد أن يتلقى الصحفي تدريبات رجال الكوماندوز، يتعلم كيف يرتدي الدرع والخوذة ويتقي مرمى النار، والأهم كيف يلتقط الصورة أو خبرا قبل أن تلتقطه القناصات المدافعة عن حقهم في ممارسة رياضة الصيد المفضلة لديهم ..ولكن.. صه..من يريد الرؤية ؟! يكفى أن نرى نحن ونفكر ونشتم بقهر ثم نضحك على أنفسنا، فهناك وقت كافٍ لكل ذلك، أتوقف بحيرة "وما الذي سأقوله له الآن؟! يبدو أن الحصار جعله فيلسوفاً فلديه كل الوقت لذلك..آها..عرفت من أين سأدخل له هذه المرة.."ماذا عن القراءة لطالما أحببت شكسبير وتولستوي ودرويش والسباعي لطالما اقتنيت كتبهم وكنت تردد"ليتني أخذ إجازة طويلة لا أفعل فيها شئ سوى قراءة هذه الكنوز،ها هي الفرصة أمامك فلما لا تبدأ؟!" أبداً؟! أطرق مفكراً يبدو أنه وجد شيئا يبدو مجدياً لفعله ..لكنه يرفع عينيه مجدداً، وفيهما شئ من اليأس: ومن قال لك أنني بقراءتي هذه الكنوز لن أزيد الحصار ابتلاعاً لي؟ سأحلق في هذه الرواية أو ذاك الديوان.. ثم ماذا؟ سأصحو من جديد لأرتطم بجدران زمني المصفر، وفي النهاية سأفقد شهيتي للقراءة ولن أقربها ولو بعد الحصار".

"ما رأيك أن نتبادل أسرارنا ؟! قلت بوجل حاثة إياه" إنها المرة الأولى التي سأفعل وعلى العموم لن أخاف علي هذه الأسرار أن تسمعها الجدران فهي حتما لا تهدد أمن دولتهم المعظمة".

"ومن قال لك أنها لا تهمهم؟ ستخبرينني عن حبك ؟عن حبيبك الأسمر ذي البندقية أو حتى المزهرية أين تلك المدينة أو ذاك المخيم؟ سيقتلون كل شاب لعله يكون هذا الحبيب ، أم ستخبرينى عن أصدقائك ؟هاهم أراحوك لا صديق يمرح ولا حتى يصرخ أو يختلف معك.. فقط أصدقاء يبعدون ويبتعدون .."حسناً لن أخبرك عن ذلك إذن.. إذا سأخبرك عن ذاك الفتى الذي رأيته يحدق في جثة أخيه المعلقة والكل مبسوط بها، هو فتى ذو اثنتي عشرة شوكة تكلل جبينه ومن بينها تقفز وردة، وتقف حائرة أمام هذا المشهد ..لم أستطع الكلام ..بكيت لأجل الدم الذي خلطوه بالماء، ولكنه نظر إليّ دهشاً، تبكين إنه خائن ؟!..لست أبكيه يا فتى.. أبكى الأخ والأب والأم الذين تبرأوا من ابنهم ،أبكي الابن الذي تبرأ من أرضه، أبكي الأرض التي تبكي نفسها كلما فقدتهم ما بين شهيد وأسير وجريح ..و..وخائن ! أبكي البارود المتكدس في كل ضحية والذي سود القلب نحوهم .. نحو كل مالهم .. ظلالهم وآثارهم وذكراهم السوداء أيضا "-" ياااه كل هذا يا صغيرة ؟! قال متأثرا وقد لمعت في زوايا عينيه دمعة .._"اسمعي " قال محاولاً إلهائي عن نفسي فهو أكثر من يعلم أنه كلما اقترب المرء من نفسه زادته من البكاء .."ما رأيك ان نلعب لعبة الكلمات ؟!صار هو من يقترح علي .."تقولين كلمة وأترجمها

بلغتي الخاصة لكي "-"وهل لك لغة خاصة ؟"سترين "..

        حسناً.._ شهيد

              _ فرح صعب

              _ حب

              _ ترف ولكن مطلوب

              _ جنازة

               _عرس

               _ وطن

               _ وطن

         ينظر إليّ ثم يسقط باكياً