مخيم جنين.....مخيم الأبطال، مخيم الصمود، مخيم الأسطورة
إسراء كلش ليس من الصعب عليك أن تغمض عينيك عن شاشة التلفاز كي لا ترى مجازراً لا تبعد عن منزلك شيئا إلا ما يبعد به قلبك عنها وليس من الصعب عليك أن تتناسى أصوات انفجارات كل نصف ثانية محاولاً الضحك بقدر ما هو صعب جداً عليك أن تتجاهل دعوة موجهة إليك شخصياً لزيارة مخيم جنين في الليل وترتدى ملابسك باكراً، وتنطلق بسيارتك نحو المدينة المحطمة، تعتريك تعابير الهول والحزن لتسمع من يقول لك هدئ من روعك، لم نصل المخيم بعد، وتطأ قدماك لأول مرة منذ اثنين وعشرين يوما شارعا لطالما اعتدت المرور منه... وأن تمشى في شوارع واسعة تتدرج في حطامها طالما كانت أزقة ضيقة، وأن تقف وسط زحام من الأحجار والقضبان الحديدية المكومة ورائحة الموت تتغلغل في مساحاتها ترتقي سيدات ورجال وعجائز وأطفال يلملمون ما تبقى من ذكرى الأعزاء والأحباب، أحجاراً لطالما كانت بيوتا بل قصوراً عامرة بأصحابها تفوح رائحة حيفا وعكا وصفد منها، ورائحة النكبة الأولى ليس من الصعب عليك أن تسمع أنين المخيم كما هو عندما يستقطبك أحد بقوله ترفق بمشيتك فربما أنت الآن واقف على جثة ارتقت إلى بارئها، أو مازالت حية تطلب مساعدتك ولا تستطيع سماعها هذا أقل ما يمكن وصفه في مخيم الصمود مخيم جنين الذي التقيت فيه بعضاً ممن نجوا من المذبحة، منهم من تكلم عن عائلته، ومنهم من آثر الحديث عن جيرانه وأصدقائه بشموخ، وهنا كانت بداية حواراتي مع من زاحموا الموت وجرفوا الموت ودفنوه في مقبرة المخيم الجماعية،الآنسة عرين الزبيدى، عرين: ماذا يعني لك هذا الاسم؟ اسمي عرين الزبيدي من سكان مخيم جنين والدي كان مقاتلا ومسؤولا في فتح، يصنع المسدسات اليدوية، والدتي امرأة مناضلة ومثالية بشكل كبير تربت على الجهاد في بيت والدها وربت أبناءها على الجهاد ، لي ستة أخوة جميعهم من المجاهدين عبد الرحمن أكبرهم سلم نفسه مضطراً بعد انتهاء ذخيرته وحققوا معه فلم يجدوا عليه اعترافات أما أخي طه فهو شهيد وأخي زكريا أيضا من المقاومين اختبأ في بيت مع إخوانه من الصواريخ فهدموا البيت عليهم ولكن الحمد لله تمكن أهل المخيم من انتشالهم من تحت الأنقاض أحياء وهو في مكان آمن لا يعرفه أحد، أخي يحيى كذلك لم يسلم نفسه لكن ذخيرته التي نفذت أرغمته على ذلك وهو الآن معتقل ولا نعرف أين، أما داود فهو سجين منذ ثلاثة أعوام وجبريل وهو طالب في المدرسة، ولي أخت اسمها كوثر هدم بيتنا في الانتفاضة الأولى فأعدنا بناءه، وفي هذا الاجتياح استهدف بيتنا المكون من ثلاثة طوابق بأربعة صواريخ، ولم يبق منه سوى الطابق السفلي. وحينما سألتها: متى استشهدت الوالدة وما هي ظروف استشهادها ؟ تحدثت قائلة: استشهدت أمي في الاجتياح الذي سبق الاجتياح الأخير قبل حوالي شهرين كانت أمي لي الأب والأم والأخ والصديق وكل شيء فهي من تبقى لي بعد انشغال اخوتي بالمقاومة، في ذلك الاجتياح أخرجتنا من البيت لأنه محفوف بالمخاطر، ومسكونا من قبل الشباب (المقاومون) وكان الشباب المقاومون قد وضعوا أمام بيتنا قنبلة وعبوات ناسفة وكانت أمي تشجعهم، ودائمة الابتسام لهم وتحدثهم قائلة انتم أصحاب البيت افعلوا به ما شئتم فخرجنا إلى بيت جيراننا وكان البيت مرتفعا يكشف المخيم، فأما أمي فكانت لا تستطيع الجلوس لأن النار تلظى في قلبها على إخواني الخمسة والشباب وكانت تطل من النافذة لرصد التحركات الغريبة وتعطي إشارات ونداءات للشباب ولأخي زكريا عن مكان الجيش الصهيوني وكان صوت أمي عاليا والمخيم في سكون وكانت تقف كل واحدة منا على نافذة للمراقبة و فجأة جاءت ابنة الجيران (رشا) تحدوها الرغبة في المساعدة فوقفت أمام أمي وسألتها (أين صاروا ) فأشارت أمي إلى المنزل، وفجأة سمعنا صوت إطلاق نار وأصيبت الفتاة (رشا) برصاصة في ذراعها وأصيبت أمي برصاص قناص (شاطر) استهدف أمي بشكل عجيب وفجأة ركضت أمي مسافة بعيدة كلمح البصر وارتمت على السلالم فهرعنا إليها، وصرخنا إسعاف إسعاف، ثم أقفلت جارتنا الباب علينا، ورأيت المسعف يسعف رشا قبل أمي فطلبت منه إسعاف أمي أولا لان حالتها خطرة لكنه أشار بيده لجارتنا ففهمت أنها استشهدت ثم أخذوها على النقالة إلى المستشفى لأن جنود الاحتلال منعوا سيارة الإسعاف من أخذها، ليبطؤا إسعافها ويقلصوا من فرص نجاتها كي تموت، لكن ولدا صغيرا قال لي بأنه رأى أمي تتنفس فأعاد إلي بعض الأمل فاتصلت بأخي مع المجاهدين وتأكدت منه بشكل غير مباشر وقلت له :مبروك...!! فقال لي: الله يبارك فيك، فتأكدت من استشهادها وكانت صعقة كبيرة لي ثم خرجت إلى الجيران الذين اخذوا ينادون بأن (أمي استشهدت) وهم يقولون لي توكلي على الله ،الله يرحمها…… وهكذا كان… حقا هكذا تكون نساء فلسطين، وهكذا يكون الصمود حينما تنحسر الدموع بكاءً على أمهاتهم في مخيم جنين، وتبادر لي سؤال لعله يبعدها قليلا عن الحزن، مخيم جنين قبل وأثناء الاجتياح، كيف كان في عيون عرين؟ قبل الاجتياح كان المجاهدون قد وضعوا سماعات أغان وطنية كي تشجع الناس والمجاهدين فكنا في غاية السعادة ومعنوياتنا مرتفعة جدا ، وكنا في أهبة الاستعداد لدحر أي جندي عن أرضنا والدفاع عنها، وأثناء الاجتياح تكلم المناضلون لأول مرة مع الجنود الصهاينة عبر مكبرات الصوت باللغة العبرية أخرجوا من المخيم ليست لكم القدرة على مواجهتنا انجوا بأنفسكم حتى لا يموت الكثير منكم وتبكي أمهاتكم عليكم والحقيقة أن هذا الاجتياح كان ضربة قوية للمخيم وكانت هناك مقاومة شديدة برغم بساطة الأسلحة التي كانت بحوزتنا هذا الاجتياح لا مثيل له في حروب العالم ففي الفترة الأخيرة لم نعد نسمع صوت الدبابات ولا الجنود فقط الطائرات التي كانت تضرب بشكل متواصل (معاقل الذخيرة)، كما أطلقوا عليها …… أثناء الاجتياح أين كنتم؟ أثناء الاجتياح والقصف ظللنا في المخيم وعندما يشتد القصف كنا أثنى عشر شخصا في الحمام ونظل ساعات طويلة فكان الوضع مأساويا لا سيما لوجود الأطفال بيننا وهم كثيرون أما إخواني الخمس فجميعهم في الجهاد وصفوف المقاومة. هل كنتم تتوقعون أن تكون الحملة العسكرية الأخيرة على المخيم بهذه الهمجية أم أنكم توقعتم انه اجتياح كسابقه؟ لم نتوقع أن تكون همجية جنود الاحتلال إلى هذا الحد لقد كنا نظن انه اجتياح كالذي سبقه ولكن حقد شارون كان كبيرا وجعل النساء والأطفال والبيوت جميعها مفخخة حتى أن جنودهم قد سألوا أطفالا ونساءً في منزل في المخيم هل أنتم مستعدون لتفجير أنفسكم فأجابوا بصوت عال: نعم فأردت مقاطعتها قائلة لها بأننا: سمعنا عبر المذياع قبل سقوط جنين…… فقالت مقاطعة: لم تسقط جنين …… وفهمت أني أردت الحديث عن الجنود الصهاينة الذين حوصروا، وقلت مقاطعة: نعم بالتأكيد اقصد قبل الضربة الأخيرة والموجعة ونفاذ الذخيرة في المخيم سمعنا أن هناك جنودا كثيرين محاصرين في أحد المباني ولم نسمع بعدها عنهم شيئا. فسألتها هل لديك أية معلومات عنهم أو عن العدد الحقيقي للقتلى الصهاينة؟ كان الشباب دائما ينفون الإحصاءات (الإسرائيلية)، والأنباء التي تتحدث بأن ستة وعشرين جنديا فقط قتلوا خلال الاجتياح، وأنا أؤكد أن جنودا كثيرين قتلوا ومعظمهم من جنود الوحدات الخاصة كما يسمونها، وكما دائما لا تعترف بهم (إسرائيل)، أما الجنود المحاصرين فقد قتلوا جميعا ومما يعزز هذا التأكيد مجيء شارون وموفاز إلى المخيم لرفع معنويات جنودهم، وإن دل أيضا تركيز استخدامهم لطائراتهم ودباباتهم في المرحلة الأخيرة من الاجتياح إنما يدل على ضعفهم أمام عزيمة وبنادق المناضلين الحقيقية. و بعد انتهاء الاجتياح اقصد إعادة الانتشار كيف كان المخيم؟ شواهد المخيم حزينة، لكن المعنويات مرتفعة فقد كنا في بعض الأحيان نضحك لا شعوريا حتى أن الأجانب سألونا: ألا يوجد دموع لديكم ؟!! فنقول لا اليوم عرس وليس عرس شهيد واحد بل كل الشهداء فلم نبكي؟ ذكرت أن أخاك طه كان مناضلا واستشهد، وإن كنا نقلب عليك آلامك، نود سؤالك ما هي ظروف استشهاده؟ لم يصل لنا خبر استشهاده بشكل مباشر سمعنا ذلك في الأخبار، لكن المجاهدين اخبرونا انه كان في غرفة وحده فضربوا عليه قنبلة تسمى (أنيرجا) ومن ثم قصفوا الغرفة بالطائرات وأمطروه بالرصاص فكانوا وحوشا وهذا اقل ما يمكن وصفهم به، وفقد أخي قدميه في نفس المعركة، لقد سبقنا إلى الجثة وكانت محترقة بالكامل ماعدا عصبة كان يضعها على رأسه هي وحدها لم تحرق كتب عليها (لا اله إلا الله)، أخي طه كان إنسانا مؤمنا محترما، يحب الجميع دائم الابتسام كل الصفات الجميلة فيه، وكان يستعد للزواج بعد أن جهزت أمي له بيته وبطاقات الزفاف، لكنها استشهدت قبل ذلك بفترة فحزن حزنا شديدا عليها ولكن العائلة أصرت على تنفيذ رغبة أمي رحمها الله في إتمام زواجه واتفقنا إلى زواجه على أربعين أمي وفي اليوم الأربعين كان الاجتياح الثاني واستشهد فكان يوم زفافه يوم استشهاده وعرسه عرس شهادة… من هو عقل المخيم ؟ هو ابن عمتي زياد العامر وهو مسؤول كتائب شهداء الأقصى في جنين استشهد في الاجتياح السابق، وكان عقله كبيرا يزرع عبوات ناسفة ويفعل أشياء كثيرة... قتل عددا من الجنود فسقطت بارودته فأراد استرجاعها فأمطره الجنود بالرصاص واستشهد. ماذا عن مستقبل عرين الزبيدي ؟ أمي علمتنا ونحن صغار كلنا حتى الجامعة و زوجت اخوتي وأنا الآن مخطوبة وخطيبي معتقل في الاجتياح الأخير وسأكمل وصية أمي وأكمل تعليمي في الجامعة وادرس التربية الإسلامية لأننا من أسرة محافظة وتعرف الله
هل تطلبين شيئا من الدول العربية ؟ نحن لا نريد منهم الكلام والمؤتمرات فقط نريد تمويلا عسكريا فلو كان عندنا تمويل عسكري لكانت فلسطين كلها لنا نحن لا نريد طعاما وثيابا وبيوتا. نستطيع العيش في المخيم لا مشكلة لدينا في ذلك لان العيش بحرية أفضل مما يبعثون. كلمة أخيرة تودين قولها ؟ مستحيل، مستحيل الإسرائيليون يستطيعون هزيمة مخيم جنين والآن يوجد فتيات وأطفال يقولون نحن مشاريع شهادة ونريد الثأر. وأن تتنقل من بيت إلى بيت في المخيم أمر صعب، لا نخشى التعثر بالركام أو انهيار حائط أيل للسقوط عليك، بل لأنك تخشى سماع حكاية أشد قسوة من سابقتها فكل حائط وواجهة في المخيم تحمل في طياتها قصصاً مختلفة لأناس كل ذنبهم أنهم فلسطينيون، ومغضوب عليهم، ولأنهم لاجئون و(الكامب) يجري جريان دمائهم في العروق والتقيت بالحاجة أم محمد الوصفي والتي أكدت على ذكر اسمها وعدم خوفها، وكانت كلما توقفت قليلاً في الكتابة تعلق قائلة: "اكتبي ليش وقفتِ خلي العالم تعرف"، وبدأت أم محمد رثاء الدول العربية ثم أثرت الحديث في ظروف استشهاد بعض أعزائها من أبطال المخيم في حكايات تقشعر لها الأبدان. أم محمد الوصفي: أسكت باول الدول العربية بالدولارات، نحن لا نستطيع في الحقيقة أن نضغط على أمريكا اقتصادياً، لكنهم أرادونا حاجزاً يسكتوا بنا أمريكا، كل الدول العربية خائفة، واستطردت: إن كل ما حدث في المخيم جربناه، وما استعملناه نحن كله صناعة يدوية، ولن نترك الجهاد حتى لو استشهد ألف شهيد يومياً منا، حتى تحرير البلاد، ولا نريد مساعدة الدول العربية نريد قوة الله فقط، صامدون على التراب ولن ننسى درب الشهادة.. جمال عيسى السباع: عندما نادى جنود الاحتلال الصهيوني بالسماعات لخروج الرجال من سن خمس عشرة عاما حتى الخامسة والأربعين خرج جمال البالغ من العمر أربعين عاماً وحتى أنه كان مريضاً بالسكري وبيده الأنسولين، خرج مع صديقه فصفوهم على الحائط وطلبوا منهم خلع ملابسهم، فخلع جمال قميصه وأراد أن يخلع بنطاله فتعثرت يداه بحزام النبطلون فأخرج صوتاً خفيفاً فظن جنود الاحتلال أنه حزام ناسف فسرعان ما رموه بالرصاص حتى استشهد وظلت جثته ملقاة على الأرض، وظلت الدبابة تذهب وتجيء عليه حتى اختفت أي معالم له، بشر كان هنا، وحتى أن أهل المخيم اعتقدوا أنها بقايا جثة حيوان، لولا رائحة الموت عرفوا أنها جثة إنسان وعندما عاد صديقه للمخيم أكد أن هذه القطع هي بقايا جمال عيسى السباع الشهيد البار لمخيمه. وأثناء حديثي معها جاء طفل صغير يطلب كمامات بيضاء معلناً أن الهلال الأحمر وجد جثة مجهول الهوية وأكملت الحاجة أم محمد… أبو جندل: من الأمن الوطني، أكبر مقاتلي المخيم القياديين لاسيما في هذا الاجتياح نفذت ذخيرته وسلم نفسه رافعاً يديه وبمجرد رؤيته تعرف الجنود الصهاينة عليه فأوقفوه على الحائط وأمطروه بالرصاص واستطاع أهل المخيم أن يجدوا جثته وقد كانت الطيور والدجاج تأكل منها. جمال محمد الفايد: معاق منذ السنة السابعة من عمره، مريض بالسحايا، عمره الآن سبعة وأربعين عاماً، جنود الاحتلال طلبوا من أهله الخروج من البيت لهدمه فحملوه فظن الجيش أن مقاتل مصاب فرفضوا إخراجه، فأخذت أمه وأخته تشدانه إلى الخارج وجنود العدو إلى داخل البيت واستطاع الجنود أخيراً إبقاءه في البيت رغم أهله، وهدموا البيت على الشهيد المعاق وهو ما يزال حياً يزرق. |