مخيم جنينعين على التراب... عين فوق التراب
ميساء الجيوسي إشارة: كتب هذا النص بعد زيارة تطوعية قام بها عدد من طلاب جامعة بير زيت لمساعدة أهالي مخيم جنين بعد المجازر التي أرتكبها الاحتلال فيه. وجه جميلة الملائكي أول ما استقبلنا على مدخل مخيم جنين، وهي عائدة من مدرستها إلى الخيمة بعد أن كان لها بيت قبل مرور الغزاة، وتدميرهم له في المخيم، تقول جميلة عما جرى: " كان في جرف واحنا سلمنا حالنا والجيش ضربوا الزلام وصار عنا قصف وضرب صواريخ، والجرافات جرفوا الدور". قالت هذا وببرودة طفولية انسحبت عائدة إلى الخيمة، واصلنا سيرنا باتجاه المخيم وبعد بضعة أمتار من الألم وصلنا إلى ما يشبه منزلاً، أو أنه كان في البدء كذلك، لتداهمنا ملامح الأسى التي علت تلافيف وجه أبو محمد، وهو عجوز يبلغ من العمر (75) عاما، مطعمة بمرارة ما عاش من ويلات، بادرنا بالسلام، ودعانا للدخول لنجد خلف بوابة منزله القرميدية قصة شديدة القسوة حدّ الموت. فزينب حفيدته تبلغ من العمر سنتين ونصف، عندما دخل الجنود إلى منزلهم وأجبروهم على التجمع في غرفة واحدة بدأوا بإطلاق النار على المدفأة والتلفاز تركت أمها راكضة باتجاه الجنود رافعة يداها وهي تصرخ. " أنا أسلم.... أنا أسلم" قالت أمها بأن أحد الجنود بكى عند سماعها لتردف الأم كريمة (28) عاماً : " تمنينا الموت لا الرعب والخوف". وعلى مرمى حجر من بيت كريمة جلست فاطمة عمر عبد الله طوالبة في خيمة علت كومة منزلها المسوى بالأرض تماما، عندما رأيتها صدمت لهول الموقف لكني سألتها : هل أستطيع التحدث إليك؟ وبرحابة صدر قالت تعالي. تسلقت تلة من حطام البيت الذي شيدوه على مدى سنين، جلست بجانبها، وللوهلة الأولى، شعرت بأن كل حرف سأنطقه سائلة إياها عما جرى سيكون تفاهة لأن كل ما حولنا هناك يتكلم مجيباً، لا بل صارخا معلنا عما حدث من دمار . قالت فاطمة: "جئت لأجمع ما تبقى من ملاعق ليستعمله الأولاد. بيتي كان طابقين ... لم يبق لنا شيء... أنا وزوجي والأولاد ننظر إلى الردم". فاطمة أم الخمسة أطفال وزوجها هم اليوم بلا مأوى. وليس بعيداً عن فاطمة كان أبو سامي ( 43) عاما يلملم كما فعلت هي ما تبقى من ملاعق وذكريات، يقول " خرجنا من البيت وهربنا إلى المدينة وعندما عدنا ها هو ما وجدناه" مشيرا إلى منزله، تعتصره حرقة مخيفة. ويقول : " نحن الآن لا نعرف ما هو مصيرنا"؟ كانت ألسنتنا لا تجد طريقا أو لغة لمواساتهما فتركناهما لنكشف صفحة أعظم سواداً وأشد رعباً حيث أم خالد التي تصعب قصتها على الخيال، فماذا أن كانت حقيقة واقعة . أم خالد هي فتحية محمد سليمان شلبي قضت 70 عاما من الألم والأسى لتتوجها اليوم بموقف مأساوي لا يوصف، فهي تجلس أمام ردم منزلها الذي لا زالت جثة أبنها المعاق جمال تقبع تحته، تشير إلى عربته المعلقة أمام ناظرها فوق الردم وتقول "جمال لسا هون" وتروي ما حدث قائلة: " 9 أيام وأحنا تحت القصف طردونا الجنود من الدار ورحنا على دار سلفي، وحملنا جمال معنا ولما وصلنا بدأت الطائرات تقصف البيت حاولنا الخروج ما قدرناش صرنا نصرخ وأنا أصبت بشظية في الوجه والصدر ، ما قدرنا ننزل جمال كان الوضع صعب كثير... رجعنا على البيت لقينا خرابة. بعد فترة قصيرة طلبت من الجنود أروح أجيب جمال منعوني، فصرخت: وين الضابط؟ قالوا: نايم. ضليت أترجاهم لحد ما سمحوا لي بشرط ما آخذ معي زلام، فأخذت بنتي وجارتنا نجيب جمال. لما وصلنا أشتد القصف فبقينا عند جمال الله يرحمه حتى الفجر . حملت منديل أبيض ولوحت فيه وشوحت علشان يخلونا نمر" وعندما أعطاها الجنود الموافقة باصطحاب جمال أسرعت بلهفة لإحضاره بمساعدة أبنتها والجارة لكنهم كعادتهم بالغدر واللاإنسانية بدأوا بجرف المنزل وهم جميعاً بداخله، تقول أم خالد " من الرعب تركنا جمال الله يرحمه وهربنا" كانت أخت جمال آخر من خرج من المنزل، تقول سمعته يقول "يا الله" مع أنه لا ينطق. هدموا المنزل على جمال وأمه تشاهد المشهد المرعب متجاهلين صرخاتها المحترقة الخارجة من روحها وهي ترى المنزل يهوي بأغلى ما تملك، أبنها، تتوقف عن السرد وتدعي على الجنود قائلة" إن شاء الله خطية جمال تمحاهم كلهم" وتقول بحزن " جمال الله يرحمه كان معاق إن أطعمتوا أكل وإن شربتو شرب كيف هذا إرهابي" ولكن من يسمع صرخة أم خالد وهي التي فقدت في الاجتياح الأول لمخيم جنين أبنها محمد محمود رشيد فايد بتاريخ 28/2/2002 وها هي تودع جمال أيضا في هذا الاجتياح. صعودا باتجاه الشمال توجد حارة "جورة الذهب"، وهي التي احتضنت كل من الشهداء : زهير استيتي، محمد فايد وشقيقه مجد، ونضال سويطات ومحمد مشارقة، وأشرف أبو الهيجا، وعلام القنيري، ونضال نوباني... " فعلا... لقد كانت بيت لنخبة من شباب فلسطين" يروي أحد سكان الحارة، فخري حويل 42 عاما، ما حدث لمنزل الشهيدين محمد وأمجد فايد الذي كنا نقف أمام ما تبقى منه من حديد وحجارة بعد أن قام جنود الاحتلال بنفسه باستخدام قنبلة فراغية أحالته إلى كومة من ركام... ويضيف فخري الذي طال منزله صاروخ وعدد من القذائف بأنه كان يحصي عدد الصواريخ التي تطلقها قوات الاحتلال الإسرائيلي، ففي إحدى الليالي سقطت ستة صواريخ خلال ست ثوان ويضيف " ... والإنيرجا تزعزع فينا تزعزع... وبعد خروج الجيش من المخيم وجدنا خرائط خلفهم تبين وجود منازل مخطط مسبقا لهدمها". خرجنا من جورة الذهب باتجاه بيت العزاء الجماعي الذي يرفض أهل المخيم تسميته كذلك، ويصرون على تسميته " بيت التهاني" لأنهم يعتبرون الشهادة عرس يستحق التهنئة لا العزاء، بعضهم يعلق صور من قضوا على درب الشرف، وآخرون يشدون على أيدي بعضهم البعض مواساة و أملا بغد قد لا يحمل رائحة للقهر، وأول ما يستقبلك هناك قطع من بقايا مجنزرات ودبابات إسرائيلية تمكن شباب المقاومة من إعطابها بذكاء وحنكة كانت مدعاة فخر لأهل المخيم وتأكيدا لإيمانهم بأنهم من انتصروا وليس آلة الدمار الإسرائيلية. " شامخون شموخ نخيل نيسان، متجذرون في أرضنا كزيتون القدس" هذا ما كتب على باب مستشفى الرازي في جنين، والذي حاول عبثا طاقمه إنقاذ من تركهم الاحتلال يغرقون بدمائهم حتى الشهادة... هناك دخلنا إلى غرفة الجريحين محمد محمود البكري ( 24 عاما) والذي أصيب بصاروخ فقد على أثره رجله اليمنى، وكذلك أصابع يده اليمنى، وكان قبل إصابته يعمل كهربائيا، ويجاوره في غرفة المستشفى خالد أبو الهيجا (23 عاما) والذي أصيب برصاصة في الحوض . لم نتمكن من التحدث إليهم ، والاستماع إلى رواياتهم لأنهم كانوا مخدرين ونائمين. خرجت من المستشفى وأنا لا زلت أحاول تصور حالة الشاب محمد البكري عندما سيستيقظ من تخديره ليجد نصف جسده تقريبا قد بتر ولم أستطع... ولم يكن شيئا يستطيع أخذي من تلك الأفكار سوى " نجية" تلك المرأة الصابرة المناضلة دون سلاح، المعذبة لأقصى الحدود، ترقد على سرير الشفاء في غرفة رقم (309) في مستشفى جنين الحكومي. نجية، أم يوسف، أرملة وأم لأربعة أطفال لا يبصرون... عندما جلست بجانبها لاحظت أنها تعلق على جدار الغرفة صورة للشهيد علام القنيري لأعرف بعد لحظات قليلة أنه شقيقها. نجية تركت منزلها في بداية الاجتياح واصطحبت أبناءها إلى مكان بعيد، وعندما سمعت بنبأ استشهاد شقيقها علام عادت إلى منزلها لتستعد إلى ملاقاة جسده الطاهر، وأثناء محاولتها جمع بعض الأوراق في منزلها أنفجر بيدها لغم ... تصمت نجية قليلا ثم تبكي بحرقة لا لشيء إلا لأن الحادث منعها من تقبيل أشلاء أخيها علام الذي استشهد بتاريخ 9\4\2002 وهو متزوج وأب لطفلة ترك أمها حاملنا، تأمل بأن تنجب من رحم الصمود علاما آخرا. تقول نجية " أخاف أن أعود إلى البيت، وأخاف على أولادي في البيت . الألغام توجد بين الأعشاب أمام البيت... أنا أحذر أولادي من الذهاب على البيت". عندما يصبح البيت، وهو رمز للأمن والسكينة، ليس آمنا، فماذا بعد... هكذا مخيم جنين... طفل يحلم بحضن والده الشهيد... وامرأة تبكي شريكها أو أخيها أو والدها، أو أختها، أو صديقة عمرها الذين غادورا متوجهين إلى الأرض... هناك ... في مخيم جنين.... يصرخون : الأرض تستحق الشهادة والمقاومة. لنا زيتونة نريد زيتها، وفيئها، وأوراقها، وجذورها، والتراب الذي يحتضنها... نريد الأرض |