الصفحة الرئيسية  

تخبطات روح تائهة

كرمل العباسي
15 سنة / غزة

رأيته هناك ، في مكان ما لا أذكر أين، ولكن في مكان ما على هذه الأرض المستديرة ، رأيته مشوشاً مبعثراً يتخبط هنا وهناك، يتغنى بالحب مرة ، ومرة يصرخ بحقد وكراهية ! .. يبكي على وردة بيضاء مرة ثم فجأة يبدأ بالرقص الجنوني والغناء، تنظر إليه فتجده ذلك الشاعر المرهف الذي يحمل بداخله كل تلك الإنسانية والحب وتارة تراه كالوحش الجسور .

لم أعرف ما هذا ؟! انتابني شعور أنه إما ممثل يختبر نفسه بأداء الأدوار المتناقضة ، وإما مجنون لا يعرف أين يذهب ، وإما أنه ... لا أعلم إنه بالتأكيد أعمق من هذا وذلك .

اقتربت أكثر وأكثر وجلست بجانبه ، نظر إلي مبتسماً فبادرته بالسؤال : من أنت ؟

قال : " ألا تعرفيني " ، فنظرت مستنكرة : " لم أرك قبل ذلك عذراً لا أستطيع تذكر المكان أو المناسبة التي جمعتنا ولا أستطيع أن أتذكر اسمك ".

قال : ليست الأسماء مهمة كما أن الوجوه ليست مهمة ، ألا تحملين بداخلك روحاً تتحكم بشخصيتك وعواطفك وتصرفاتك ، إنها أنت ، أنت لست اسمك أو صورتك من الخارج، أنت داخلك عقلك وفكرك ، فمن أنت ؟ ومن أنا ؟ ومن هؤلاء كلهم ؟ إننا أرواح تحمل في طياتها أناسا كثيرين ، روحك تحمل أكثر من إنسان فأنت بداخلك ، وأنت بداخلك تحملين الحب والعطاء والخير ، كما تحملين الشر والكراهية والحقد الدفين، كما تحملين النشاط وحب العمل في وقت قد تكونين به سلبية وغير مسؤولة .

ألا يمكن أن تكوني كل هذا وذاك في آن واحد ؟؟ أليس من الممكن أن تحملي بداخلك كل هذا ؟؟ وبداخلي أنا أيضاً كل التناقضات ، في كل مكان تكونين فيه إنسان مختلف وشخصية أخرى ، فآراء الناس فيك مختلفة.

ولكن لو نظرت بداخلك لوجدت الصراع بين تلك الشخصيات والتناقضات، فإن روحك تريد منك أن تكوني واحداً ، فهل من الممكن أن تكوني كذلك ، ولكن إن أردت أن تكوني فأيهم ستكونين ؟

فأنت بحاجة إليهم جميعاً ، فإن حبك هو من سيعطيك قوة العطاء ، وكراهيتك وحقدك لعدوك ستعطيك الإصرار بالمطالبة بحقك ، تحتاجين النشاط هنا، وهناك الكسل ، فأنت بحاجة للراحة، لن تكوني كاملة أبداً ، ولكن أخيراً أنت لست اسماً ولا شخصاً واحداً، أنت لست صورة خارجية لأربطك بها حين أراك ، ولا اسماً أناديك به أو صورة أتذكرك بها أو مناسبة التقينا عندها ، أنت روحك، مشاعرك التي تحملينها ، قلبك النابض بالأمل واليأس ، بالحب والكراهية ، أنت عقلك الذي يقبل هذا ويرفض ذاك ، أنت مجموعة معقدة من الأحاسيس والمشاعر ، أنت وأنا وكلهم فلسفة خاصة فأنا أراك بمنطق يختلف عن منطق غيري ...

واستمر بالحديث عن .. من أنا ، عن الروح ، التناقضات ، وظل بنفس الصورة التي جذبتني إليه وشدتني للحديث معه .. في البداية كنت أعتقد أنني التقيت به ذات مرة ، ذهبت لأعرف من هو ؟ لأتأكد من شيء، ولكنني تأكدت فعلاً منه ، فمن هو؟ إنه أنا !! نعم فهو روحي المتخبطة من الداخل !.