|
الأيام
و طه حسين "كان
سابع ثلاثة عشر من أبناء أبيه، و خامس أحد
عشر من أشقائه. كان يشعر أن له من بين هذا
العدد الضخم من الشباب و الأطفال مكانا
خاصا يمتاز فيه عن أخوته و أخواته. أكان
هذا المكان يرضيه أم كان يؤذيه؟؟ من يدري!"
ما ذنب هذا الطفل الصغير ليولد في أحضان
الصعيد في عائلة ضخمة، كانت تجهل العلم،
أو تتجاهله، فألقت بالطب جانبا حين أصيب
الطفل برمد العيون، لتجعل منه أعمى بحكم
الطب الشعبي، و تجعل منه يعاني ألم ظلام
الدنيا و ظلام قلوب الناس ، أو يشفقون
عليه بلا رحمة! و ما أكثر ما استخدم طه كلمة
"أعمى" في كتابه، و ما أكثر ما أحسست
أنه يكتبها بمرارة و نقد و ألم، كأنه يحاول
أن يسقط هذه الكلمة من عيون الناظرين فيه،
لكنه لا يقدر، فهو يتذكرها في كل خطوة و في
كل موضع. "الأيام"، من أكثر السير الذاتية جرأة و نقدا لاذعا لمن استحق النقد، إنها ليست مجرد حكاية لصبي كفيف صار فيما بعد من أعلام الكتاب العرب المصريين، مثريا بذلك ثقافة بلاده ووطنه. "الأيام" تحكي قصة صبي لم يكن يملك من الحياة شيئا سوى إرادته القوية لترجمة مكانته المتميزة بين أفراد عائلته و أسرته، إلى مكانة متميزة في مجتمعه أو حتى في العالم أجمع. هذا الكاتب الغني عن التعريف به، الفقير إلى مجتمع يفهمه و يفهم ما كتبه، ترك لنا من الكنوز الأدبية و الثقافية ما أوحى لنا أنه من أشد الناس غرورا و كبرياء و إعجابا بالنفس، لكن المتمعن في طه حسين و سطوره الذكية التي كتبها حصيلة حياة لم ير نورها قط، يدرك هذا الشاب العنيد المتمرد على جميع فصول حياته، ابتداء من عائلته و مدرسته و أساتذته، و انتهاء بالسلاطين و القادة السياسيين، حيث لم يكن طه حسين يتورع عن توجيه النقد لأي من هؤلاء |