يراعات بقلم كاتب ....  يراعات وتطوير الفكرة

بقلم يحيى يخلف**

لدى متابعتي لما تكتبه الأقلام الشابة في يراعات، لاحظت اهتمام الشباب بقضايا الواقع، إذ من الطبيعي أن يغمس الكاتب قلمه بمداد التجربة التي يعيشها الشعب الفلسطيني..

وتتفاوت جودة التعبير بين محاولة وأخرى، وتتراوح ما بين الخاطرة العابرة، وما بين الفكرة الجيدة، أو المحاولة الإبداعية الواعدة...

ولاشك أن التدرب على الكتابة يحتاج إلى المواظبة، وإلى الإجتهاد، وإلى الإخلاص، وإلى الطموح، خاصة طموح الإنتقال من الهواية إلى الإحتراف.. ويتعين أن يكون هدف (يراعات) هو الإسهام في إعداد جيل من الكتاب والصحفيين والباحثين والمبدعين في مجالات الفنون والآداب والبحث العلمي، وربط الصلة مابين من يحاول الكتابة وبين وسائل المعرفة وتوفير المناخ الملائم لأصحاب المحاولات للتدرب على الإحتراف وتحويل الهواية إلى مواظبة والتزام. ولا أعتقد أن هدف يراعات هو فتح الباب أمام الشباب للتعبير عن أفكارهم وآرائهم فقط، وإنما تعميق وعيهم بأهمية وجدوى، وضرورة الكتابة.

ولاشك أن العناية بالمواهب الشابة، خاصة في مجالات التعبير تحتاج إلى الدعم والتشجيع، وتحتاج إلى اهتمام أكبر من قبل مؤسساتنا التربوية والثقافية، وكذلك إلى مدرسة الأهل.. المدرسة الأولى التي تعلمنا فيها.

ولست هنا بصدد إصدار النصائح، وتقديم الدروس في الوعظ والإرشاد، ولكني، ومن خلال تجربتي ككاتب، أرى أن البدايات تكتسب أهمية كبرى، ومن الممكن أن يبرز من بين صفوف هذه المواهب الواعدة كتاب، وباحثون، ومبدعون في مختلف المجالات.. وإذا كنت قد لاحظت في بداية حديثي اهتمام المحاولات الجادة التي يكتبها الشباب بالواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني وهذا جيد، فإنني أدعوا الشباب إلى التأمل والتفكير وإطلاق العنان للخيال للوصول إلى التعبير الفني إنطلاقاً من هذا الواقع، ففي الواقع من الخيال ما يفوق الخيال نفسه.

إن خضوع خيالنا إلى الجاذبية الأرضية أكثر مما يجب، يجعلنا نخضع للكتابة المباشرة، والنسخ الحرفي الفوتوغرافي عن الواقع، والدخول إلى دهاليز الشعارات..

وما أود أن أذهب إليه، هو الدعوة إلى التجديد، والبحث عن وسائل خلاقة للتعبير، وتوفير الشروط الفنية العالية لما نكتبه من شعر وقصة ومقالة وخاطرة، أي تقديم كل ما هو جديد، لأنني أعتقد أن الأدب الجيد هو الذي يخدم مشروعنا الوطني، أما الأدب الرديء فإنه لا يخدم هذا المشروع.

وأعتقد أن الشرط الأساسي لمن يرغب في أن يواصل الكتابة، وينتقل بها من المحسوس إلى المجرد ومن العادي إلى التجريب الواعي يتمثل في التعمق في  القراءة، وعقد صداقة مع الكتاب والإطلاع على ما يكتبه المبدعون والمفكرون، والتعمق في قراءة التراث، وكذلك الإنفتاح على ثقافة العالم. ويحدوني الأمل في أن معظم ما يكتبه الشباب في يراعات يمكن أن يساهم في فتح الباب أمام مبدعين شبان إذا ما قرروا الإستمرار والإجتهاد والمواظبة، وتطوير أدواتهم الفنية ولغتهم وأساليبهم، وموضوعاتهم.

ولاشك أن هذه التجربة الناجحة بحاجة إلى تطوير، وبحاجة إلى تحديد الهدف، ولا أظن أن العمل العفوي الذي يفسح المجال إلى الإرتجال يمكن أن يصل إلى هدفه، فتحديد الهدف من هذه التجربة هو أساس العمل.. لذلك أدعوا المشرفين على هذه الزاوية إلى تجديد الحوار والنقاش حول الهدف الذي نرمي إليه من إصدار هذه الصفحة، فبالتأكيد ليس الهدف من يراعات إصدار مجلة من مجلات الحائط، وإنما العمل على إطلاق الطاقات الإبداعية الكامنة في أعماق شبابنا الذين سيجدون المرجعية في هذا التراث الثقافي العربي، وفي المحتوى الثري للثقافة الوطنية الفلسطينية والعربية، وفيما أبدعه الإنسان في ثقافات الشعوب.

 ___________________________________
** روائي فلسطيني، ورئيس المجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في منظمة التحرير الفلسطينية.