عندما يموت الحب
سماح دبور منهكة، متعبة… تسير بخطوات متثاقلة نحو البيت المؤلف من طابقين، ها قد عادت إلى البيت أخيراً، تذكرت طفلتها البالغة من العمر ثمانية أشهر، تذكرت بكاءها المتواصل، والذي يجعلها أحياناً لا تتذوق للنوم طعماً في الليل، وكل هذا بسبب الأسنان اللعينة، كم تتمنى أن تغمض عينيها وتفتحها ثانية لتجد طفلتها في سن الثالثة أو حتى الخامسة، إنها أجمل سنوات الطفولة. وصلت إلى باب المنزل ودقت باب الشفة في الطابق السفلي وشكرت جارتها بكلمات قليلة ممتنة على عنايتها بالطفلة.. ثم أخذت طفلتها لتبدأ رحلة الصعود إلى شفتها، ظنت أن دهراً مضى وهي تصعد الدرجات وكادت أن تقسم أن درجات المنزل زادت حتى الألف درجة، وأخيراً وصلت إلى شقتها، وضعت الطفلة النائمة في سريرها وبسرعة استحمت وتناولت عشاءها وقبل أن تصل إلى سريرها استيقظت الطفلة، غيرت لها ملابسها وسط صراخ الطفلة الذي لا ينقطع، وبصبر كاد ينفذ حملتها وأخذت ترضعها وبعد وقت طويل نامت الطفلة من جديد، تنفست الصعداء ثم استلقت على سريرها لتنام. تبا ،طفلتها تبكي.. صراخها يهز أرجاء المنزل، رحمتك يا رب لتوها نامت، قامت إليها وحماتها بين ذراعيها وأخذت تهزها برفق، ولكن الصراخ لم يتوقف، أحضرت لها زجاجة الحليب ثم حاولت إطعامها، لكن الطفلة رفضت الحليب واستمرت في الصراخ، وبدأت أعصابها تتوتر، أن لديها في الصباح الباكر عملا شاقا ثم لديها ساعة واحدة للراحة تعود فيها إلى المنزل القريب من مكان العمل تطمئن على الطفلة وتطعمها وتتناول غذائها لتبدأ عملها الثاني، والذي يستمر حتى التاسعة مساءا وهذه الطفلة لا تتيح لها فرصة الراحة والنوم. فحصت إن كانت مبتلة لكن الطفلة نظيفة كما لم تكن مريضة، أخذت تدور في أنحاء المنزل و هي تهز الطفلة بين ذراعيها و قد تمكن التوتر منها ،إن الطفلة فقط تريد البكاء و لا تدري ما يمكن ان تفعله معها ،فصرخت بالطفلة فجأة: كفى..اصمتي ..إخرسي ،وتوقفت الطفلة عن البكاء للحظات ،لكنها عادت للصراخ ثانية وراحت كل محاولات الأم لإسكات الطفلة أدراج الرياح ، ما ولم تشعر بنفسها إلا وقد هوت علا وجه الطفلة بصفعة قوية مما زاد من بكاء الطفلة ، ثم لم تعد تملك زمام الأمور فأخذت تضربها بيديها وقبضتيها وهي تصرخ كفى.. كفى ..كفي،اللعنة ، ألا تصمتين ؟؟ انهالت عليها ضربا حتى إنها تدقها في الأرض ثم تعود لتصفعها على وجهها ثم .. فجأة أدركت أن الطفلة صمتت فتركتها من بين يديها ، ولكنها عندما نظرت للطفلة عرفت أنها قد صمتت للأبد ، نظرت إليها في ذهول شديد ولهول ما رأت..كان رأس الطفلة متورما وملونا بالأحمر والأزرق وعيناها مفتوحتان لا تنمان إلا عن ألم رهيب ..آه..لا،صرخت والألم يمزقها و أخذت تنقل بصرها من بين يديها إلى الطفلة والفزع يملأ عينيها ثم أخذت تصرخ في هستريا شديدة إلى أن غابت عن الوعي . عندما أفاقت لم تع جيدا ما يحدث معها ، فقد اجتازت تحقيقا مقرفا في النيابة والعديد العديد من الصحفيين والأطباء النفسيين لتمثل أخيرا أمام المحكمة ، سألها القاضي لماذا قامت بقتل طفلتها البريئة ،ولم تملك نفسها ولم تملك كذلك إلا أن تجيب : أنا لم أقتلها فقط هي كانت تبكي ولم أستطع إسكاتها ثم ..ثم..آه لا أدري ، لا أعرف ما الذي حدث بالضبط إني فقط أردت أن تصمت . لكن الإدعاء لم يرحمها وأخذ يكيل لها الاتهامات وبأنها أرادت أن تنتقم من والديها وطليقها لأن أحدا منهم لم يكن يريدها في حياته وبالتالي هي لم ترد طفلتا وقررت ان تقتلها وصرخت الأم : لا.. لا أنا لم أرد أن اقتلها ،لقد ظلمني أبواي ولم يكونا يريداني في حياتهما حيث كنت عائقا أمام سفرهما ورحلاتهما ، وصحيح أن زوجي قد خانني ثم تركني لمجرد أني لم أتخلى عن منزلي له، ولقد دفعت ثمن رفض أهلي لي ورفض زوجي وتألمت كثيرا ، لكن هذا لا يعني أني أردت الانتقام . أنت أنانية لقد أحببت نفسك فقط ولم تحبي طفلتك أبدا ، لقد ماتت مشاعرك ومات الحب فيك وفي قلبك ، نعم لقد مات الحب في قلبك ، لذلك ينبغي أن ... وصرخت لا وكادت أن تغيب عن الوعي ولكن .. تسلل إلى أذنيها صوت بكاء طفلتها وظنت أنها تهذي ثم فجأة أحست بنفسها على فراش دافىء ، جلست في سريرها وأضاءت النور وتوجهت إلى طفلتها مسرعة ، كان وجهها يتصبب عرقا ، شعرت به مشتعلا ، تحسست طفلتها .. يا الله إنها سليمة ، معاناة ، كأن بكاءها موسيقى يترنم بها قلب الأم ، حملها بين ذراعيها برفق وهدوء وضمتها إلى صدرها ، واستكانت الصغيرة إلى حنان أمها وفي حضنها الدافىء . نظرت في عيني الصغيرة وتساقطت الدموع من عينيها ، يا إلهي لقد كان كابوسا مروعا ، عادت تضم الصغيرة إلى صدرها ،اهدئي يا حبيبتي الصغيرة ، فلن أتركك أبدا ولن أجعل حبك يموت في قلبي مهما حدث .. بل سأجعله يكبر وينمو يوما بعد يوما وسيظل مزدهرا في قلبي إلى الأبد وأتحدى أن تجدي حبا مثل حبي يا صغيرتي. |