زيتونة الدار

لما جميل طرايرة
القدس، 15 سنة

كان صوت قدوم الحافلة كافيا لإيقاظي من أحلامي التي تبلورت حول موقد الحطب في منزلنا الصغير في عرابة، عندما كنت أجلس بقرب الموقد محاولة كل جهدي إبقاءه مشتعلا لأحمي كمال من البرد الذي اعتاد عليه في مثل هذا الوقت من السنة، محاولة إقناع هذا الطفل الذي لم يتجاوز السابعة من عمره بأن شجرة الزيتون التي تغطي نافذة الغرفة المجاورة هي الشجرة التي يجب عليه أن يعتني بها ويرويها ويعطيها لتعطيه ما يريد، فيجيب بأنه لن يبقى في عرابة ليشهد كل يوم مأساة جديدة وحزن وجديد، بل سيصنع من حطام الحطب حوله منزلا كبيرا، ومن شجرة الزيتون قصرا شامخا، ومن العشر ليرات التي توافرت معي حينها أموالا لا تعد ولا تحصى، فلا أعلم بماذا أرد عليه، وبماذا أجيبه…

كمال ذلك الطفل الذي جاء إلى الحياة ليعلم أن والده ليس له، بل إنه ملك لقضبان من حديد منعته حنان الأب، ملك جدران ألم ودم وظلم وقهر حرمته ضم والده لسنوات، ذلك الطفل الذي وقف ممسكا بيدي ذات يوم على أحد أرصفة شوارع عرابة الحزينة منتظرا بشوق وصول الحافلة التي سوف توصله إلى أبيه الذي حلم بضمه دون أن تمنعه القضبان من ذلك، أبيه الذي أراد يوما البقاء معه لمدة يختارها هو ، لا شخص يصرخ من إحدى زوايا الغرفة المظلمة  "انتهت الزيارة"  راجفا أيام الشتاء، وباحثا عن ظل أيام الصيف، فلا أعلم إن كان يرجف خوفا من حاضر ضائع بين جدران المعتقل أم يبحث عن حياة وحرية ومستقبل أفضل، ولا أدري إن كان كمال يعلم أن اليوم الذي سيتركني فيه وحيدة في انتظار الحافلة دون أن يمسك بيدي ويخفف من ألمي وحرقة قلبي سوف يأتي، ولا أدري إن كان يعلم أن كيس الملابس الداخلية الذي جهزه يوما بشغف وفرح لإسعاد والده سيكون ذاته الذي أحمله أنا بيدي المتعبة وجوفي المتألم مالئة إياه بملابسه وحاجاته المختلفة التي يسمح بإدخالها له… فأسأل نفسي، هل كان ابني على صواب عندما أراد الانتقام لاستشهاد والده بعد عشر سنوات من الأسر والألم والتعذيب قضاها وراء القضبان وبين برودة الزنانين؟ وهل علم  أنه بانضمامه إلى إحدى المنظمات الفلسطينية لم يعد ملكي أنا، لم يعد ملك الام التي أرضعته حليبها وضمته إلى صدرها في ليالي سهرتها معه حول موقد الحطب، بل أصبح ملكا للقضية التي حاول الابتعاد عنها صغيرا، ملكا للحطب الذي رفضه طفلا، وللأرض التي علمته الصبر والمقاومة وضمته رضيعا…

نسمات الهواء القارصة التي هبت على الجنوب أشعرتني ببرودة دموعي التي لم أكن لاحظتها من قبل كما لم ألاحظ امتلاء الحافلة، وكنت على وشك مواجهة آلام المفاصل في بقائي واقفة في الحافلة طوال الطريق لو لم أجد مكانا فارغا بجانب أم أكرم صاحبة العينين العسيليتين، أم أكرم التي  أرى فيها، رمز الأم الفلسطينية، رمز الحياة والمقاومة، أم الشهيد مجد، والأسير أكرم، أم الطبيب والجريح، أم الصغير والكبير، الأم التي عوضتني حنان أم فقدتها صغيرة، وحب أخت لم أحظ بها يوما ، أم أكرم، الأرض بعطائها، ورائحة أرغفة خبز الطابون الذي صنعته بأناملها لا تفارق ثيابها  ونظرات الصبر والتجلد لا تفرق لمعان عينيها، وها هي اليوم، ككل مرة ، تخفف من ألمي بالرغم من ألمها، وأروي لها حزني بالرغم من حزنها، وتمسح دموعي بالرغم من شعوري بأنهار دموعها، تلك الدموع التي لم أرها يوما على وجنتيها حتى يوم استشهاد ابنها واعتقال فلذة كبدها وسرقة أحلامها وذكرياتها…

أدرت وجهي باتجاه النافذة المطلة على شوارع فارغة إلا من قطرات المطر الذي بدأ بالهطول، سرت قشعريرة في جسدي عندما لامست وجنتي زجاج النافذة البارد الذي رأيت من خلاله سهول عرابة وأراضيها الفارغة، وأشجارها العارية المتعبة، وعندما نظرت إلى السماء شعرت بالخوف والرهبة من غيومها السوداء، وكانت بوابة المعتقل الشاهقة بوابة المشوار الطويل داخل جدران السجن…

لم ألاحظ غزارة الأمطار  إلا عند وقوفي في الساحة الواسعة للمعتقل بانتظار سماع اسم ابني الحبيب، وحولي قصص المعاناة والحزن متمثلة في كل شخص نظرت إليه، في كل عين دامعة وفي كل قلب حزين. حاولت تدفئة جسدي وتمنيت لو أن موقد الحطب معي، وكان سماع اسم كمال بعد مدة من الانتظار قد أنقذني من الشعور بالبرد…

" هان ياما.. هان.." كان صوته… أدرت وجهي ناحيته فكان يقف بقامته الطويلة الشابة واضعا يده على السياج كمن يتمنى تمزيقها. ركضت نحوه، وضع كفي على كفيه وتمنيت ضمه، تمنيت تقبيله وتدفئته بحناني وحنان والده الذي فقده، نظرت إلى وجهه وبكيت، عيناه بارقتان كما عهدتهما، ونظرته قوية متحدية ، شعره الحالك السواد تدلى ليغطي جبينه، ولحيته التي بدأت بالنمو أعطته ملامح الرجل الذي حلمت دوما برؤيته، كلامه عن المنزل ذكرني بتلك الليالي الباردة التي قضاها بين يدي حول الموقد، وحديثه عن الحقل ذكرني بأول يوم حمل فيه الفأس ليساعدني في حرث الأرض وزرعها، رأيته في هذه اللحظة الطفل الذي ناديت أم أكرم  له عند إصابته بحمى أو وقوعه عن غصن شجرة، والصغير العنيد القوي المحروم الذي لعبت معه، الشاب العامل الزارع، والرجل المناضل المقاوم حدقت في وجهه، كنت كالجائعة التي تأكل الوقت بكل أحاسيسها ومشاعرها المحترقة، لم أرد لهذه الزيارة أن تنتهي قبل أن أضمه، قبل أن أرتب شعره المتناثر وأقبله على جبينه، ولكنها انتهت، أخذوه من بين يدي كما خطفوه من حضني ومن قلبي ومن أحشائي. نظرت إليه، تابعته حتى وصل إلى الباب المؤدي إلى الداخل ليغيب عن ناظري كغياب الشمس عن نهاري، وعندما ادرت وجهي سمعته ينادي، صرخ بصوته الغاضب المحترق، من وراء القضبان والحواجز والجدران السوداء " … ديري بالك على شجرة الزيتون ياما .. ديري بالك على شجرة الزيتون…"