|
ريتاج... بثينة حمدان أيام عصيبة مرت، احترقت خلالها مئات المحاضرات، وآلاف الأوراق والكلمات التي لم يستطع الطالب والمعلم كتابتها أو مناقشتها، لقد أكل الاحتلال كل شيء بالنسبة لي، و للعديد من الطلبة؛ فعندما تغيب جامعة أصيلة وعريقة، عندما تغيب جامعة بيرزيت، فكأن الشمس غابت. يعيش الطالب أجواء الاحتلال، فالأرض و الشارع محتلان، والعديد من المباني والمنازل التي تحمل مواصفات موقع إستراتيجي أو لمجرد أنها تشبع فضول جندي همه القتل والنهب والتخريب محتلة أيضا! العديد من المنازل يتخذه الاحتلال ثكنة عسكرية لجنوده، فيحتل أروقة بيتك وكتبك ووسادتك التي حلمت عليها كل ليلة بأنك صرت مهندساً أو طبيباً أو صحفياً. ملل فظيع، وخمول مخيف، وصدمة عنيفة تلقاها الطلبة، وتفاقمت مع طول أمد الاحتلال الإسرائيلي للمدن الفلسطينية، يوم يومان، شهر، اثنان... والمشكلة الأكبر أنه يمكن استئناف التدريس؛ فبلدة بيرزيت بعيدة عن نظام حظر التجوال والاجتياح. لقد قررت إدارة الجامعة ذلك، فامتلأ الطلبة بفوضى وتساؤلات لا أول لها ولا آخر!! أما الإجابة عنها فقد كانت من خلال الشائعات التي تنتقل بين الطلبة عبر خطوط الهاتف. كانت الشائعة، والتي ظهر فيما بعد أنها حقيقة صاعقة، هي "رتاج"، وهو نظام أقامته الجامعة على موقع الإنترنت الخاص بها، كي يواصل الطلبة من خلاله الدراسة، فيحصلون منه على محاضراتهم وامتحاناتهم، وتتم المراسلة بين الطالب و الأستاذ عبره، كما تنشر الجامعة على "رتاج" العلامات و الأمور المالية و الأكاديمية جميعها. ولكل طالب وطالبة عنوان إلكتروني وكلمة سر يتم من خلالها دخول ملف أو بريد كل طالب في "رتاج"، ويتم الحصول عليهما بطريقتين، الأولى بالإجابة عن خمسة أسئلة تتعلق بالاسم، والرقم الجامعي، والمعدل التراكمي، وعلامة مادة معينة، واسم أستاذ إحدى المساقات التي يدرسها الطالب، وهذه الطريقة لم تعمل غالباً مع الطلبة إلا في فترة متقدمة، وبعد عدة محاولات يكون الطالب قد أضاع الجهد والمال والوقت، ونحن في أمس الحاجة لهذه العناصر في هذه الظروف. الطريقة الأخرى هي الاتصال بالجامعة، وكثيراً ما أعطت العنوان الإلكتروني غير الصحيح، أو أن تفشل كلمة السر في دخول البريد، وخصوصاً في البداية، ربما لأن الضغط على الموقع الإلكتروني للجامعة كان كبيراً، أو أن الاستعداد لخدمة الطلبة من خلال "رتاج" لم يكن كافياً. لم يصدق الطلبة بأن حياتهم الجامعية انتهت، وبأنهم تحولوا من طلبة نظاميين إلى طلبة يدرسون بالانتساب، ولم يكن الحل مرضياً أو حتى منطقياً لعدة أسباب، وهي كما يلي: * لم يعرف الطلبة ب"رتاج" و الدراسة عبر الإنترنت إلا بالصدفة، ومنهم من عرف في وقت متأخر، لأن الجامعة لم تعلن عنه في الصحف أو التلفزيونات المحلية. * نسبة الطلبة الذين يعرفون التعامل مع الإنترنت خصوصاً، والكمبيوتر عموماً هي للأسف ضئيلة، مما شكل عائقاً أمام عدد كبير من الطلبة، كما أنه ضمن المساقات الإجبارية في الجامعة لا يوجد مساق عن الإنترنت، وحتى مساق الحاسوب الإجباري لا بعلم الطلبة عملياً مبادئ استعمال الحاسوب. * شكلت الدراسة عبر الإنترنت عبئاً ماليا جديداً يتزايد كلما زاد حجم الأوراق المطبوعة، وساعات استخدام الإنترنت المكلفة أصلا، كل ذلك أضيف إلى عبء رسوم الساعة المعتمدة (التي هي في تزايد مستمر). * كان نظام "رتاج" معقداً لا يستجيب إلا بعد عدة محاولات، في البداية لم تكن صفحة الجامعة "الويب بيج" تفتح أصلاً. * لم توفر "رتاج" جميع المحاضرات للطلبة، فطلبة كلية التجارة لم يجدوا محاضرة واحدة على بريدهم الإلكتروني، مما عكس سوء التنسيق بين إدارة الجامعة وموظفيها من الأساتذة. * معظم التخصصات بحاجة إلى مختبرات وأجهزة لا يمكن استكمال الفصل بدونها مثل ( الإذاعة والتلفزيون، وتخصصات كليتي الهندسة والعلوم، وحتى كلية الآداب يحتاج طلبتها إلى كتب ومراجع وموسوعات لا تتوفر في أي مكتبة أخرى. * وجد الطلبة هذا (الحل) مفروضا عليهم رغم وجود حل آخر أو على الأقل أن يكون "رتاج" مكملاً له، وطرح الحل في اجتماعات متكررة بين مجلس الطلبة والحركة الطلابية مع رئيس الجامعة، ويقضي الحل بانتقال الطلبة للسكن في مخيمات داخل الحرم الجامعي وفي بلدة بيرزيت، وقد قدم هذا الحل في ضوء تجربة جامعات أخرى (كالجامعة الإسلامية في غزة). ربما أن أحد أسباب عدم تبني هذه الفكرة هو أن الجامعة لم تستطع إجبار الأساتذة كي يبتعدوا عن عائلاتهم ويسكنوا في بيرزيت، مع أن للضرورة أحكام، ويمكن تقليص مدة السكن إلى يومين. * جاء نظام "رتاج" في وقت متأخر جداً، فسنحت للجامعة أكثر من فرصة مع بدء الانتفاضة والحصار والإغلاقات، وأيضاً مع تكرار حملات الاجتياح، حيث كان من الممكن أثناءها وضع خطة طوارىء مستقبلية والتحضير لهذه الخطة وتهيئة الطلبة لها. * الطلبة الذين لم يستطيعوا العودة إلى أسرهم أثناء الاجتياح ، وخاصة الطلبة الغزيين الذين لا يستطيعون الوصول إلى غزة أبداً، بقوا في بلدة بيرزيت، ومع ذلك فإن الجامعة بقيت مغلقة في وجوههم، مما أحدث فراغاً ووحدة كبيرة في حياتهم، وهم أيضاً ملزمون بالتوجه إلى مراكز الإنترنت القليلة أصلاً والمكلفة. ولكي لا أظلم الجامعة، ولا أضع العبء عليها وحدها، فإن "رتاج" شكّل تحديا جديدا وكبير بالنسبة للطلبة وأدخلهم عصر الإنترنت إجبارياً ، وفتح أفاقاً كثيرة للتعلم، وليس فقط التعليم. وإن قدرا من المسؤولية يتحمله مجلس الطلبة؛ فهو موجود ليمثل الطلبة الذين انتخبوه قبل نحو ثلاثة أعوام، ويحقق مطالبهم، لكنه لم يفعل؟؟ لأنه هش وأضعف من أن يتخذ قراراً وينفذه. لقد انتهى فصل، وسيبدأ قريبا فصل آخر، وربما لا أحد يمكن أن يتصور كيف انتهى هذا الفصل! لكن ليأمل الجميع ويحلم بأن لا يتكرر حال الفصل السابق، وأن يتمكن الطلبة من العودة إلى الحرم الجامعي، أما إن قضت الظروف غير ذلك، فمن الضروري تعاون الجميع لتطوير أفكار عملية تبقي الدراسة قائمة ومتصلة، وربما أيضا يمكن أن يتطور "رتاج" أيضا، فيغدو مصدرا تعلميا في حالتي فتح الجامعة وإغلاقها! |