|
نداء الزيتون
سمير ناهض الريس لم يكن عبد الصمود الجوره مميز عن أقرانه،مجرد وجه آخر من أولئك الذين تمر عيناك عليهم دون أن تجد ما تستحق الوقوف عنده،ربما لو أدركت عمره لعرفت أنه شاخ قبل الأوان قبل أن تلاحظ أن تلك سمة عامة في الشعب الفلسطيني . كان واحدا ًمن جملة مزارعين يملكون أرضا متخمة لمستعمرة إسرائيلية قرب قرية رفات قضاء رام الله ،ومنذ بدء أحداث انتفاضة الأقصى وهو يحاول دفن نفسه في أعمال أرضه ناسيا –أو متناسيا –ما يمر به أهله وشعبه من ويلات جرها عليهم احتلال همجي بغيض ،كانت أرضه هي منتهى أمله ومبتغاه وكان كل ما يشغل تفكيره هو ثمن الزيتون والزيت وهل يكفي العائد من زراعته ليتكفل بمصاريف العام القادم وقد وقر ي نفسه أنه خلق ليزرع ،ليعتني في الأرض،ليفلحها،ليستشعر كل رملة في جرولها الخشن،وعندما تنامى إلى سمعة ما أصاب جاره إياس الحداد من تجريف للأرض وخلط عاليها بأسفلها جل ما فكر فيه هو كيف يواسي جاره على فاجعة كهذه حامدا ربه على أنه ليس بموضعه ولما زاره في في الواحدة ظهرا بعد انصراف الجرافات الإسرائيلية وما يتبها من سيارات حرس الحدود والجنود المدججين ناقلا له مشاعر العزاء ومستشعرا الكارثة التي ألمت به،كان أقل ما توصف به الأرض عندئذ هي أنها مأساة ،أشجار الزيتون ملقاة هنا وهناك،أشجار يمتد عمرها لعشرات السنين أصبحت خلال ثلاث ساعات ثلاث أثرا بعد عين،ولكن الأرض وحدها لم تكن هي المأساة بل حالة جاره كانت هي المأساة الحقيقية. -أرأيت …،كانت أول كلمة نطق بها جاره بصوت تأبى العبرات ألا أن تترك بصماتها عليه .. - سلم أمرك لله يا أبا الحسن،قدر الله وما شاء فعل .. - ولكن أرضي …كفاح عمري،وما أفنيت روحي من أجله، لقد عشت كل حياتي واهبا نفسي لهذه الأرض،والآن انظر،أترى ما تبقى،أشجار عمرها عشرات السنين اقتلعت،القيت هنا وهناك،هذه أشجار مروية بدمي،بعرقي/ما عشت أن ماتت هذه الأشجار … - ظلت كلمات أبو الحسن تتردد في ذهن عبد الصمد،كان على يقين أن أحدا لم يكن ليحب أرضه كما أحب هو أرضه،ولكن كلمات جاره أشعرته أنه كان يحب أرضه حبا يساوي إن لم يكن يفوق –حبه هو لأرضه - كانت الساعة قد اقتربت من الواحدة صباحا وهو يدور كلمات جاره في عقله ويحمد الله على أنه ليس في محله عندما تعالت جلبة في الخارج تبعها طرق شديد على بابا داره،انتفض من أثر الطرق وكذا انتفضت زوجته إلى جواره…
- بسم الله الرحمن
الرحيم،ما هذا … هرع عبد الصمد من فوره ليفتح الباب حيث طالعت وجه سمج من وجوه جنود الاحتلال …
- أنت عبد الصمد محمد
الجوره ؟ - ولماذا يريدني ال…لم ينتظرني الجندي ليكمل عبد الصمد سؤاله بل غادره إلى حيث تنتظره سيارة انطلقت حالما اطمأن سائقها إلى ركوب الجندي . ابتلع عبد الصمد ريقه ثم أغلق الباب وقد اعتراه شحوب شديد - ماذا كان يريد منك الجندي ؟؟ كان هذا سؤال زوجته التي وقفت منتظرة إياه - لست أدري ،يقول أن الضابط عامي يريدني غدا في قسم بيت ايل ضربت زوجته على صدرها وهي تشهق بينما لم تعد أعصاب عبد الصمد تحتمل المزيد:-صه يا امرأة ..ما هي إلا مقابلة أخرى،سؤال عن هذا وآخر عن ذاك،وهم يعرفون أنني مزارع وفي حالي،ما هي إلا ساعة وأعود إلى داري،لا تقلقلي .. ومع ذلك ظل عبد الصمد مستيقظا في فراشه طيلة الليل،يضرب أخماسا في أسداس ويتساءل عما فعله ويستحق أن تدعوه من أجله المخابرات الإسرائيلية . إلا أن تساؤله هذا لم يدم طويلا ففي تمام العاشرة صباحا كان يقف على بوابة القسم معطيا الحارس الاستدعاء الذي تلقاه ليلا فقال له الحارس وهو يقيسه بنظره :
- أهي
أول مرة ؟ لم يدر عبد الصمد لماذا كان استدعاؤه بينما لم يقابل الضابط عامي حتى الواحدة،إلا أنه أحس وهو يدلف غرفة الضابط أنه يكاد يسقط مغشيا عليه،ثلاث ساعات في شمس الصيف الحارقة ليست بالشيء القليل . - حسن،ماذا لدينا هنا،يقولها الضابط عامي وهو ينظر إلى الأوراق أمامه ..عبد الصمد محمد الجوره،فلاح يملك ثلاثة فدادين من الزيتون،متزوج وله ولدان وثلاثة بنات،مصدر دخله الوحيد هو الأرض التي يزرعها بنفسه مستعينا بولده الأكبر محمد بينما ولده الآخر زيد يدرس في جامعة بيرزيت،أهذا يكفي أم تريدني أن أذكر لك تاريخ حياتك !! بهت عبد الصمد لفيض المعلومات الذي تلاه عليه الضابط وزاد انكماشه في مقعده،بينما علت وجه الضابط ابتسامة متشفية واثقة وهو يكمل : - أعتقد أنك زرت جارك إياس الحداد البارحة وعزيته في أرضه،أتعشم ألا يأت هو ليعزيك في أرضك غدا .. شحب وجه عبد الصمد بشدة وأدرك أن أسوأ كوابيسه يتجلى أمامه الآن وضع الضابط عامي قدما فوق قدم وهو يقول : - أتعلم يا عبد الصمد لقد جاءنا اليوم قرار بتجريف أرضك ولكن سعيت لتأجيل هذا التنفيذ،وربما أستطيع إلغاءه . انتظر عامي قليلا كأنما يتيح لعبد الصمد فرصة التعليق إلا أن حلق هذا الأخير كان كغصن جاف فاكتفى بكحة متحشرجة، عندها استطرد عامي وعلى شفتيه ابتسامة نصر : - ولكن ما هو الثمن يا عبد الصمد ،أنني لم أفعل ما من أجل سواد عيونك،أنني انتظر ثمنا .. - أنت تعلم يا سيادة الضابط أنني فقير ولا أستطيع أن ………………. - ليس هذا ما أقصده،قالها عامي وكأنما يبصق،أن لك حقلا مرتفعا يطل على حقول معظم أقرانك،ببساطة ،ومن حكم موقعك المرتفع كل ما نطلبه منك هو أن تلاحظ وتراقب كل من تسول له نفسه الاحتماء بمزارعكم وقصف مستعمراتنا بالهاون،وكما ترى إنها صفقة رابحة …نبقى لك أرضك وتخبرنا بكل من تشاهده يستخدم الهاون لقصفنا، وبهذا تتخلص أيضا من أولئك المشاكسين الذين يدخلون أراضيكم ويسببون لكم المشاكل فيها، صمت الضابط هنيهة ثم استأنف: بهذا تضمن الحفاظ على أرضك وأنا أضمن لك مكافأة منا تغنيك عن حياة العوز،هاه، ماذا تقول، أريد جوابا الآن،هيا فكر، لا داعي أن أذكر أنك إن لم توافق فلت تر أرضك غدا،هيه، ما رأيك ؟؟ سرح عبد الصمد بأفكاره … الأرض … ما هي الأرض… قديما قال له جده: الأرض عرض يا عبد الصمد فمن تخلى عنها فكأنما تخلى عن شرفه. الأرض… ما هي الأرض… هي تلك التي صرفت عليه وعلى أولاده حتى صاروا جامعيين، هي التي أطعمتهم وسقتهم حتى كبروا، هي التي تدفع رسوم كل فصل دراسي لولده زيد، هي التي اشترت لطفلته نجلاء ثياب العيد، هي التي زرعها وتعب فيها وأفنى سنين عمره ليرى أشجاره تنمو شبرا شبرا، الأرض… أيتركها تضيع هكذا، إنه يعرف فعلا بعض الشباب الذين يقصفون المستعمرات الإسرائيلية، أحدهم هم حسن، ولد إياس الحداد، أتراهم لهذا جرفوا أرض إياس… وعادت ذاكرته إلى حالة جاره ظهر اليوم الماضي، أحقا كان هذا قبل يوم مضى، رأى بعين الخيال جاره وهو يبكي، وهو ينحني على كل شجرة زيتون ليعانقها كأنها ولده، رآه يعتصر بقبضته حفنة رمل استحالت سوادا بعدما حرقوا داره، أيكون حاله كحال جاره إياس…. لا… لن يكون هذا… لن يترك أرضه تذهب منه وما الثمن، بعض معلومات ينقلها لهذا الضابط، ثمن بخس بالنسبة لأرضه، وعلى كل حال كان الضابط سيعرف هذه المعلومات عاجلا أم آجلا، فلماذا لا يكون هو ناقلها، على الأقل سينقذ لأرضه، ولو كان جاره إياس الحداد في مكانه ذات الشيء… هم بإعلان موافقته للضابط الإسرائيلي عندما قفزت تلك الفكرة إلى ذهنه، ومعها تكشفت حقائق ما خطرت على باله من قبل قط … أحقا لو كان إياس الحداد مكانه لفعل نفس الشيء، لماذا إذا كان ولده المسؤول الأول عن إطلاق قذائف الهاون؟ وهل من الضروري أن يعلم إياس أن ولده يفعل هذا… نعم لقد قالها إياس نفسه وأنفه مرفوع بشمم: أسمعتم صوت الانفجارات التي دوت في المستعمرة أمس، ولدي هو المسؤول عنها… إذن فالأمر كذلك… فلسطين يا عبد الصمد هي أرضنا الكبيرة، هي أرض كل الفلسطينيين التي اغتصبها شعب لعنتهم كل الأديان فلا تبخل عليها يا ولدي لا تبخل عليها فتصبح خائنا لأصلك، لجذورك، لدينك، لوطنك… هكذا دوى صوت جده في أذنه متخطيا عشرات السنين، مختلطا بحفيف أوراق الزيتون مأمنة على قوله، زيتون آلاف الدنمات من الأرض المغتصبة يناديه، يحتضنه، يعطيه حفنة من تراب استحالت سوداء ويقول له: احفظ الأمانة… ما رأيك، كذا دول صوت عامي وهو يقطع حبل أفكاره…
- أتوصلت إلى قرار - وما هو، سأل عامي وعلى شفتيه ابتسامة واثقة، فصرح له بد الصمد برأيه… وفي المساء شيعه أبناؤه إلى مثواه الأخير بينما الجرافات الإسرائيلية تهدر في أرضه… |