|
كارثة محدقة بالجيل القادم
أطفال فلسطين يبتكرون الألعاب في
الإجازة فلسطين /أسماء الغول أطفال يجمعون الألعاب استعدادا لقضاء ساعات طويلة من حظر التجول داخل البيت، وآخرون لا يجدون غير الأحمر القاني يرسمون به، وبعضهم يصنع الطائرات الورقية ويطلقها في الهواء متحديا كل العوائق التي يفرضها المحتل ليحرر روحه المحبوسة، و هناك من يخاف الظلام و تهاجمه الكوابيس كل ليلة، و أطفال البناية الواحدة يجتمعون للحديث و القراءة و الرسم في ظل إطلاق النار و القصف ... هذا ما يفعله أطفال فلسطين في مدن الضفة الغربية و قطاع غزة خلال إجازتهم الصيفية بعد أن حوّل الاحتلال الإسرائيلي حياتهم إلى عذاب لا يُطاق ، فرائحة الموت لا زالت تزكم الأنوف في غزة بعد المذبحة الأخيرة إضافة إلى منع التجول وحبس المواطنين رهائن في بيوتهم في مدن الضفة الغربية، ما جعلهم يعيشون في معتقل حقيقي ، و تحولت الإجازة الصيفية بل حياتهم إلى سجن حتى إشعار آخر، ومع ذلك غدت ألعاب الصيف تنافس بين الأطفال في إبداع طرق جديدة لاستغلال الوقت داخل المنزل و مراقبة تحركات الدبابات وجنود الاحتلال الذين ينتقلون بين هذا الشارع إلى ذلك الزقاق . طيري يا طيارة! يعشق الأطفال في كل مكان صنع الطائرات الورقية، وتقيم بعض البلدان لها مهرجانات سنوية بهدف إسعاد الأطفال، أما في فلسطين فللطائرات الورقية اكثر من معنى؛ فالأطفال هنا من غزة جنوبا حتى رام الله شمالا يعشقون صنع الطائرات الورقية و رؤيتها محلقة في سماء فلسطين التي اعتادت على طائرات الموت و الاف 16 بدلا من طائرات السلام و الطفولة، وحدثنا الطفل محمد القاضي (15عاما) الذي يسكن مدينة بيتونيا قضاء رام الله المحتلة الخاضعة لمنع التجول منذ شهرين قائلا: "أستيقظ كل صباح وأكاد لا افرق بين الأيام فجميعها متشابهة فكلها سجن في البيت و لا أجد أمامي سوى أصدقائي الذين يسكنون البناية ذاتها لنجتمع و نبدأ ممارسة هوايتنا في صنع الطائرات الورقية حيث نجمع ألوان علم فلسطين لنلون الأوراق الكبيرة منها و هناك من يجمع أعواد الخشب الصغيرة اللازمة للطائرة". و يضيف بحماس: "بعد ذلك نطلقها في السماء عبر النوافذ والبلكون وأحيانا تتحدى طائراتنا الصغيرة طائرات الأباتشي الكبيرة التي غالبا ما تحلق فوق منازلنا دون أن تتمزق أوراقها"، مؤكدا أن الملل الذي يشعرون به داخل المنزل جراء حظر التجول المستمر على مدن الضفة الغربية سرعان ما يتبدد عندما يجتمع أطفال البناية ويطلقون طائراتهم في السماء. و يشعر محمد بالحزن لأنه لا يستطيع أن يحلق بالطائرة من حديقة منزله فقد منعه والديه بعد استشهاد محمد البيطار (9 أعوام) وهو يلعب بالقرب من منزلهم في شهر أبريل 2002 خلال منع التجول، حيث أطلق الجنود الإسرائيليون المتحصنون داخل دبابة النار عليه؛ مما أدى إلى استشهاده على الفور. و يشاركه متعة إطلاق الطائرات الورقية الطفل أحمد السيد (12عاما) الذي يقطن في حي الزيتون بغزة و الذي قصفته طائرات الاحتلال مؤخرا إذ يقول بخجل: "في الأعوام الماضية لم أكن أستطيع صناعة الطائرات الورقية و لكني الآن أحسن من يصنعها في حارتنا لدرجة أنني أبيعها للأولاد". و أجاب السيد مبتسما عندما سألناه عن ألوانها: "أكثر الطائرات نصنعها من ألوان العلم الفلسطيني الأخضر والأحمر والأسود والأبيض وأحيانا نلصق عليها صورة الرئيس عرفات كي تتحدى طائرات الاحتلال، مضيفا:" إذا كانت الطائرات الإسرائيلية تدخل سماء غزة في أي وقت وتقتل الأطفال فنحن بعدها نملأ السماء بالطائرات الورقية التي تحمل علمنا لنطهرها من التلوث الإسرائيلي" نرسم بالأحمر و الأسود ! "ننظر إلى كل الألوان ونجد الأزرق والأصفر والأخضر والأبيض والبرتقالي فلا أرسم إلا بالأحمر والأسود" هذا ما قالته رند خضير (11عاما) من مدينة البيرة قضاء رام الله المحتلة مضيفة بسخرية:"الوقت الطويل الذي أقضيه في البيت أستغله في الرسم و لكني لا أستخدم لون البحر الأزرق فأنا لم أسبح في البحر منذ شهور ولا الأصفر لون الشمس التي لا أراها إلا قليلا عبر النافذة ". وعن الأخضر والبرتقالي والأبيض تقول رند بحزن: "أرسم بالأخضر ولكن أتصدقين لو قلت أنني لم أرسم به شجرة منذ شهور؟ فقد استخدمته لتلوين الدبابات وزي الجيش الإسرائيلي أما البرتقالي فكيف سأرسم به بعدما جرفت المدرعات الإسرائيلية كل أشجار البرتقال المحاذية لمنزلنا والأبيض كنت ألون به قلوبنا التي لم تعد هي أيضا كذلك"... أما الطفلة ياسمين المصري (12عاما) التي قابلناها في أحد المراكز الثقافية للأطفال في غزة تقول بحزن: "أنا حزينة جدا لأني لم أر أصدقائي في الضفة هذا العام ولكني بعثت لهم بعض الرسومات عبر البريد الإلكتروني، وقد بعثوا لي أيضا رسومات وجميعها فيها الدم الأحمر والمباني السوداء المهدمة". وتضيف ياسمين: "و لكني في بعض الأحيان أرسم لهم الأشجار و العصافير فهم لا يرونها بعد منعهم من التجول ولكني في غزة على الأقل أخرج إلى الحدائق وأرسمها وأتمنى أن نكون مثل كل أطفال العالم يتفسحون ويسافرون دون خوف من أحد". نواجه الحظر باللعب والقراءة ! ويجمع الأطفال أشرطة الألعاب الإلكترونية لمواجهة الأوقات الطويلة في المنزل التي يقضوها إجباريا بسبب حظر التجول، وآخرون يقرؤون الكتب، تقول الطفلة هبة سالم (12عاما) من مدينة رام الله المحتلة: "عندما نجد الناس يخرجون إلى الشوارع نعرف أن جنود الاحتلال رفعوا حظر التجول الذي يبدأ من الساعة الثانية ظهرا حتى الخامسة عصرا فنغادر أنا ومجموعة من الأصدقاء والصديقات البيت متوجهين إلى الحدائق العامة التي تمتلئ في ساعات رفع الحظر بالناس والأطفال ونستغل باقي الساعات لنزور مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي حيث نستعير منها الكتب والقصص التي نقرأها في أوقات المنع". وتضيف سالم: "أحيانا نجمع أطفال البناية في الحديقة المغلقة للإسكان ونبدأ بالرسم وقد نقيم ورشة عمل لبعضنا البعض بعد جمع المعلومات من شبكة الإنترنت وذلك بتشجيع من مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي". ويقول الطفل عبد العزيز رفيع (13عاما): "عند سماعي عن احتمالات الاجتياح أبدأ بشراء أسطوانات الألعاب المدمجة استعدادا لمواجهة حظر التجوال لدرجة أن الكمبيوتر غدا يحوي عشرات الألعاب المخزنة فيه" ، مضيفا: " أحب الرسم و القراءة و لكني لا أستغني عن الكمبيوتر مع أن الجيش الإسرائيلي يتسبب في قطع الكهرباء لساعات طويلة " "الأطفال تغيروا " ويقول الطفل خالد شحادة (14عاما) من معسكر جباليا في غزة بذكاء واضح : " أشاهد في التلفزيون الأطفال يذهبون إلى المهرجانات و البحر و أشعر أننا نعيش في كوكب آخر و رغم هيك أنا ما بحسدهم لأن الله كتب علينا محاربة اليهود " ، مضيفا بأنه يشعر بتغير أصاب جميع أصدقائه و الأطفال من حوله . و حين سألناه: كيف؟ أجاب شحادة بحزن : " قبل الانتفاضة كنت أمارس حياتي بشكل عادي لا أسمع صوت مدافع أو قصف و لكن بعد الانتفاضة صرت أنظر حولي لأكتشف أصوات الحرب و أن جميع الأولاد تغيروا وصاروا يرجمون الحجارة وحتى أنا وجدت نفسي معهم ". وهنا قاطعه صديقه إياد فياض الذي يبدو واضحا حبه للسياسة : " لو بدنا نتكلم بصدق سنقول لك عن كذب بوش و صمت العرب و لكن لا أريد أن أوجع رأس أحد لذلك سأقول كما قال خالد قبل الانتفاضة كنا أطفالا عاديين نستيقظ كل يوم على صوت العصافير لنذهب إلى المدرسة و بعد الانتفاضة صرنا نستيقظ على صوت الرصاص لنذهب إلى معبر اليهود و نرجم الحجارة " مضيفا أن المشكلة أكبر من كونها نرجم أو لا نرجم المشكلة هي الظلم الواقع علينا . "الناس كلهم ميتين !" الطفلة تقوى الغول (8أعوام )من مدينة رفح الواقعة جنوب القطاع تقول بتردد طفولي : " احنا غير أطفال العالم لأن هناك أطفال يموتون في فلسطين و لكن في العالم الأطفال بلعبوا "مضيفة بأنها تستغل الإجازة الصيفية في الذهاب إلى البحر و الحدائق ولكنها تخاف الجنود الإسرائيليين الموجودين لفحص البطاقات الشخصية على الحواجز .وتقاطعها أختها الصغيرة صدوف (7أعوام )قائلة بابتسامة واسعة : " اليهود دخلوا في رفح و طخوا الناس و هدموا البيوت و الناس كلهم ميتين "و تضيف الغول : " الأولاد الصغار يبكون و يخافوا و أنا كمان بخاف " . الطفل سعيد السقا (9أعوام ) يقول بعينين لامعتين :" غرفتي أنا و أخي و ألعابنا تكسرت جراء قصف الطائرات الإسرائيلية لمدينة عرفات للشرطة المجاورة لمنزلنا و صارت كل العائلة تنام في الصالون " ، مضيفا: " صارت كل حياتنا قصف و دبابات ومبان مهدمة و طائرات و دم فقط " . وتقول ماجدة النونو والدة سعيد : " ليس منزلنا الذي يقع في منطقة خطرة فقط بل هناك مدرسة ولديّ الوحيدين التي تقع قرب البحر حيث تقصف الزوارق الإسرائيلية مقر البحرية الفلسطينية بشكل دوري " ، مضيفة بنبرة يائسة : " أحاول أن لا أحرمهم من شيء رغم الأوضاع الصعبة و أعمل دائما على تغيير الواقع المحيط بهم و رغم ذلك إذا سألت سعيد ماذا يتمنى يقول لك الشهادة و هذا ليس طبيعي أبدا بالنسبة لطفل صغير " . الأطفال أولا.. وتعمل العديد من المؤسسات الحكومية و الأهلية على الاهتمام بالأطفال في فترة الإجازة الصيفية حيث تنتشر المخيمات الصيفية و النشاطات الثقافية والرياضية و تعتبر مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي من أبرز تلك المؤسسات حيث يقع مركزها الرئيسي في مدينة رام الله المحتلة ، و يقول منسق المؤسسة في فرعها بقطاع غزة إبراهيم الشطلي : " تستهدف مؤسسة تامر الأطفال أولا ثم الشباب و ذلك من سن 6أعوام حتى 22 عاما حيث يلتقي الأطفال و الشباب ضمن برامج تنظمها المؤسسة و من تلك البرامج المنتدى الصحفي الذي يضم مجموعة من الشباب الذي يهوى العمل الصحفي و يتم نشر دوريات تتناول أهم القضايا المجتمعية إضافة إلى اعتمادهم على التثقيف الذاتي عبر مجموعة من الدورات في التحرير الصحفي ". و يضيف الشطلي : " و هناك برنامج "يراعات" وهو مخصص ليتمكن الأطفال و الشباب من التعبير عن مشاعرهم و آلامهم عبر الكتابة و يتم نشرها بشكل منتظم ضمن صفحة أسبوعية في جريدة الأيام المحلية مشيرا إلى فرقة تامر المسرحية التي تعمل حاليا على مجموعة من الاسكتشات المسرحية". ويؤكد الشطلي حرص مؤسسته على إيجاد حالة من التواصل بين مختلف أرجاء الوطن حتى في ظل الاحتلال وحظر التجول موضحا أن هناك أصدقاء باستمرار للمؤسسة في غزة و المركز الرئيسي في رام الله لحرص القائمين عليها بفتح أبواب المؤسسة في ساعات رفع الحظر القليلة و يتوافد إليها عشرات الأطفال لاستعارة الكتب و أدوات الرسم . وأكد الشطلي أن من الملاحظ أن للانتفاضة أثرا جذريا كبيرا على الطلاب حيث المواضيع التي يكتب فيها الشباب سواء كانت المسرحية أم الأدبية أو الصحفية منها فهناك دائما متسعا للكتابة عن الموت و الهدم و الفقد و الجوع و الاعتقال " مضيفا أنه رغم ذلك إلا أن الجميل في الأمر أنهم غالبا ما يجدون طفلا يكتب عن مدرسته أو حقه في الصحة و البيئة النظيفة . صدمة مضاعفة ولا تقتصر معاناة أطفال فلسطين في العوامل الترفيهية ، فهناك ما هو أسوأ إذ يعاني ربع مليون طفل في فلسطين و 360 ألف امرأة من سوء في التغذية و فقر الدم حسب التقرير الأخير لمنظمة الأمم المتحدة في مدن الضفة الغربية، و يقول الأخصائي النفسي د. فضل أبو الهين : " كلنا نعتقد أن السبب الوحيد لتلك الإحصاءات هو عدم وجود طعام كاف و لا نعرف أن القضية هي الخوف و القلق و عدم الأمان الذي يصيب الأمهات والأطفال على حد سواء مما يمنعهم من الأكل " و يضيف أبو الهين : " الطفل الفلسطيني يتعرض لكارثة بكل ما تحمل الكلمة من معنى و بشكل مختلف عن كوارث العالم فمثلا في البوسنة و الهرسك تعرض الشعب و الأطفال لتطهير عرقي سريع و لكننا في فلسطين نتعرض لتطهير عرقي مبرمج و تدريجي فالطفل عندنا يتعرض للموت البطيء على مراحل حيث يمنع من الحركة والنوم الطبيعي و يحرم من العيش في كنف الأسرة و الوالدين و يحرم من منزله و في النهاية تصوب إليه البندقية و يقتل " ويتوقع أبو الهين ظهور إشكاليات تتلاءم مع كل مرحلة من مراحل المعاناة التي يمر فيها الطفل الفلسطيني مؤكدا أنها إشكاليات تخرج عن قواميس علم النفس ، وموضحا أنه إذا تحدث عن قلق فهناك قلق مضاعف عشرات المرات و إذا تحدث عن صدمة أو غيبوبة نفسية فعند أطفال فلسطين غيبوبة و صدمة مبالغ فيها . و يضيف أبو الهين : "81% من أطفال قطاع غزة ظهرت لديهم مشاكل في النوم مثل الكوابيس و عدم قدرة الطفل أن ينام بمفرده خاصة بعد المذبحة الأخيرة التي وقعت في منتصف الليل و الهدوء يعم المكان و الطفل ينام بأمان و فجأة تقذف قنبلة تبلغ 1000كيلجرام وسط منزله و قد وجد نفسه فجأة تحت الأنقاض و يستغيث دون مجيب فكيف ستكون حياة باقي الأطفال الذين سمعوا بالحادثة " و يذكر أبو الهين أن 87% من الأطفال في فلسطين يعانون من الحزن و الكآبة و 83% يعانون الخوف من الطائرات و 72% تظهر عليهم علامات العنف إضافة إلى 79 % يعانون من عدم قدرة على التركيز و الشرود. |