في البدء

 

يانون...أبو السكر...المجزرة!

بثينة حمدان

يانون..ذاكرة أخرى من صراعنا الطويل المرير مع الاحتلال الإسرائيلي...

أبو السكر..رمز ورجل لآلاف الأسرى الذين انضووا خلف القضبان بين سنوات المؤبد و المؤجل...

المجزرة...مقبرة الأحياء الصامدين، فيها ترفع شارات النصر والقهر...وهي هاجس طيورنا وأطفالنا الشاهدين على تاريخٍ وإحتلالٍ و ألم لا يزال يحفر نفسه في جلودنا...

هذه الأحداث، الكلمات التي تحيط بحياتنا و مماتنا، اعلام تلبس حاضرنا، وتجهز على ماضينا بعنوان جديد إحتله الإسرائيلي، كي يخرج من قبعة الماضي الذي لا يزال يلاحقه منذ صبرا و شاتيلا، ليس انتهاءً بقانا، والمجدل، ودير ياسين و كفرقاسم....ليعيش في قبعة أخرى في مخيم جينين، وخانيونس، وفي يانون.. .قبعة ملؤها المجازر، والتهجير، والسجون التي افتتحها الجديدة.

هيا لا نلوم من قال إن كل أحزان الأرض موجودة هنا، فهنا المقابر الجماعية، هنا 70% من السكان تحت خط الفقر، هنا و في عامين ثلاثون ألف حالة إعتقال خلال عامين فقط، بقي منها 6500 معتقل، علاوة على 47 أسيرة يقاسون الويل في سجون الإحتلال.

هنا 300 طفل معتقل..هنا آلاف الشهداء و الجرحى والمعاقين، ومعطوبي الاحلام و العيون و الاطراف.. وجع يكتظ ويسكن كل خلية حية فينا و كل خلية تحتضر..

استهداف واضح للمدنيين، معتقلون بلا محاكمات، سجون تفتقر لأدنى شروط الخدمة الإنسانية، منها سجن النقب الذي انتفض قبل أسابيع و تحدى إدارة السجن. و سجن عوفرة و حوارة و قدوميم، حيث يتكدس السجناء في الخيام و في العراء...و رغم كل هذا يمنع الأسير و الأسيرة من زيارة الأهل/ زيارة الوطن، حتى في أقسى الظروف الإنسانية..ثم يقولون ان المجتمع الإسرائيلي من أكثر المجتمعات ديمقراطية في العالم؟؟!

تحضرني الآن مقولة للفيلسوف بيركلي، وهي أن الشيء الوحيد الموجود هو ما ندركه!....لكن ألا يكفي أننا هنا نموت، نتألم، نقتل، نتشرد، كي يدرك العالم وجودنا، أم أنه لا يزال(يعتقد أنه في حلم)!

أشبال و ورود طفولتها وضحكتها، تقبع الآن خلف قضبان السجن ...ورود لم تشبع من الرحيق، و لم تأخذ من الدنيا بعد شيء، بينما يسرق السجن من عمرها سنيناً وأحلاماً، وأوقاتاً حلوة كان يمكن ان تكون في حضن هذه الدنيا الفقيرة..

لازلت أذكر تلك الكلمات التي انطلقت من أحد السجون وعبر الهاتف..تقول"مشتاق، مشتاق إلى أمي، إلى أبي و عائلتي..

مشتاق إلى الحرية، مشتاق إليك يا وطني".
مازالت تعبث بي تلك الكلمات؟

ثم تعود بي الذكريات في هذا الشهر الفضيل إلى حيث أدرك كل إنسان من حقه ان يجلس  على مائدة الإفطار، يحمل معه القناديل كي تضيء ليلنا الطويل، وتصنع نصراً لم نعتد عليه إلا في عيونهم الجريئة، وكأننا عرفنا بموعد رحيلهم...

هذا الملحق إهداء إلى كل أسير و أسيرة، طفل وشيخ، من صغار تعلموا معنى الأسر، واعتادوا رؤية وجوهكم خلف القضبان، ومن أطفال لبنان الذين يشاطرونكم لغة الأسر، منا نحن في مدن أو سجون الضفة الغربية و قطاع غزة الكبيرة...

اشتقنا مثلكم أيها الأسرى، إلى التنفس، وإلى زيارة الأهل، اشتقنا إلى ليل هادئ.. إلى صبح دافئ.

تعالوا معاً نكسر الصمت، نكسرالحديد، و نهز العتمة بأيدينا/ بأيديكم، هيا نصنع من القضبان جسراً إلى الحرية، ونحول الجدران كتاباً لآلامنا، فيتوحد الماضي مع الحاضر الذي يمتد بسواعد من نار وتحدٍ وصمود، متجهاً نحو النصر...

هيا فلايزال هناك متسع للحلم..للأمل..لنلتقي في سماء الوطن وأرضه.