|
هل
ستنجون من الأيام؟!
رزان
شوابكة/16 سنة
بيرزيت
تهربون
من فوهات ماضيكم الذي غاب معكم، تبحثون في عيون من حولكم عن زمانكم، عن أشباه
ظلالكم، عن أشلائكم، وعن أطفالكم، كنتم دوماً معنا، تنشدون عذابنا، تسافرون في
غياهب أحلامنا، ترونا ولا نراكم، نبحث عنكم خارج تفاهة هذا العالم، أسرى كنتم
وما زلتم....أحياء خلف حديد صدأ من طول الإنتظار.
" لا تدفنونا بالنشيد، وخلدونا بالصمود
إنا نسمّد ليلكم لبراعم الضوء الجديد"
لتغيب ذاكرتنا قليلاً عن واقع حياتنا الحالي، ولتعود إلى الخلف قليلا، إلى مطلع
القرن العشرين، تحديداً منذ بداية فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، ربما
كانت تلك الحقبة السياسية التي مررنا بها في تلك الآونة قصيرة الزمن، مشوشة إلى
حد ما، في الواقع لا أدري... لكننا الآن نقف عند هذا اليوم بالتحديد الموافق
17-6-1930، اليوم الذي تقرر فيه إعدام ثلاثة أسرى وهم فؤاد حجازي ومحمد جمجوم
وعطا الزير، في ثلاث ساعات متتالية. حادثة شهيرة تناقلتها الألسن جيلاً بعد
جيلاً، الكثير قيل عن هذا اليوم والكثير كتب عنه، لكننا بصدد توضيح نقطة واحدة
ومهمة، وهي أن مراحل التعذيب التي لا زالت تمارس على الأسرى الفلسطينيين إلى
وقتنا الحالي لم تبدأ مع نشوء الدولة الصهيونية، بل إن حكومة الانتداب
البريطاني كان لها هي الأخرى ماضٍ عريق فقد تفننت في اختراع أساليب التعذيب.
في حقيقة الأمر، بالكاد تستطيع إيجاد إحصائيات دقيقة حول أعداد الأسرى
والمعتقلين أثناء فترة الانتداب البريطاني، لكن المعلومات التي سترد في المقال
بعد قليل تعد من الإحصائيات النادرة التي لن تستطيع الحصول عليها بسهولة، حيث
كان عدد الشهداء من الحركة الأسيرة في سجون الانتداب البريطاني عام 1930 ثلاثة،
أسلفنا ذكرهم، وبين عامي1931 و 1934، لم يتجاوز العدد اثنين سنوياً، وبقيت
أعداد الشهداء منهمب تتراوح بين النقصان والزيادة في السنين التي تلت، إلى أن
وصلت الذروة عام 1938، حيث تم إعدام 32 أسير، ونصف العدد في السنة التالية.
ولنتذكّر الصراعات التي قامت في تلك الفترة من انتفاضة 1936 والاضرابات، وما
إلى ذلك من اضطرابات سياسية انعكست على واقع الحياة للشعب الفلسطيني آنذاك. في
المرحلة التالية الممتدة بين الأربعينيات والستينيات لم يطرأ أي تغيير ملحوظ
على أساليب التعذيب التي كانت متبعة في المرحلة السابقة، لكن جل ما اختلف هو
الجلاد، فيكفينا ما سمعنا وشاهدنا عن المجازر وأساليب القتل الجماعي، وأعداد
الشهداء التي تفوقت على كل إحصاء وتقدير. فيما بعد وصل عدد المعتقلين ما بين
67و87 في السجون الإسرائيلية إلى 535 ألف معتقلاً بمعدل سنوي 27ألف أسير، علاوة
على هذا الأمر فقد وصل أعلى عدد من المعتقلات في السجون الإسرائيلية، منذ 1967
حتى 2000، إلى 220 أسيرة خلال العام 69و70 لكن في عام 1987، وعندما شهدت
الأراضي الفلسطينية قيام الانتفاضة الأولى، فقد تجاوز عدد المعتقلين 12 ألف
شخص، وارتفعت النسبة إلى الضعف بين عامي 88 -92، إلى أن انخفض العدد إلى خمسة
آلاف معتقل خلال الأعوام 1995-1998، نتيجة إلى استقرار نسبي على كافة الأصعدة
الحياتية، السياسية والاقتصادية والثقافية وفي عام 2001 وصل عدد المعتقلين إلى
ثمانية آلاف معتقل، إضافة إلى كل هذه الإحصائيات، فإن عدد المعتقلين منذ
الانتفاضة الأولى تجاوز 105 آلاف أسيراً، منهم 135 أسيراًً مريضاً، و500 أسير
حكموا بالسجن المؤبد مدى الحياة، و عشرين أسيراً آخرين يقضون أكثر من 20 عاماً
في سجون الاحتلال.
ننتقل الآن إلى مرحلة جديدة ومختلفة نوعاً ما، بدءاً من 28 أيلول 2000 وصولاً
إلى يومنا هذا، حيث تجاوز عدد المعتقلين الفلسطينيين ثمانية آلاف أسير منهم مئة
ألف أسير قاصر، علاوة على 15 ألف عامل، أطلق سراح معظمهم بعد إجبارهم على دفع
غرامات مالية باهظة بتهمة دخول مناطق الخط الأخضر دون الحصول على تصاريح، ولن
ننس بالطبع إعدام 37 معتقلاً خلال العامين الماضيين.
فضلاً عن جميع هذه الإحصائيات، فإن النقطة الجوهرية تكمن في عدد المعتقلين
الأطفال، حيث تجاوز عددهم 350 طفلاً، بقي منهم 160 معتقلاً وضعوا في أقسام
الجنائيين الإسرائيليين، ما يعرضهم للاعتداءات الجسدية والمعنوية، أما عدد
المعتقلات من الطفلات فهن ثلاثة، من الخليل ونابلس، في حين تجاوز عدد المعتقلات
من النساء المائة، منهن ما اعتدى عليهن بالضرب، ومنهن من وضعن في سجن خاص
بالجنائيات الإسرائيليات، إضافة إلى 11 مواطناً تجاوزوا الخمسين من العمر،
واستطاعت قوات الاحتلال تحويل بعض منازل المواطنين إلى مراكز اعتقال لممارسة
الاعتقال الإداري واستخدام الأقارب والأشقاء كرهائن لحين تسليم "المطلوب"،
ناهيك عن سوء الأحوال الصحية التي تعاني منها سجون الاحتلال، والتي سمعنا عنها
من أشخاص قاسوا مرارة السجون والزنازين، أضف إلى ذلك كله حرمان ذوي الأسرى من
زيارتهم. وقامت سلطات الاحتلال في السجون على سحب مكتسباتهم وإنجازاتهم، علاوة
على العقوبات الجماعية، والمماطلة في العلاج، والتعذيب النفسي والجسدي.
" علمتني ضربة الجلاد أن أمشي على جرحي
وأمشي.......
وأمشي...
وأقاوم!"
تتركز النقطة المهمة في محور واحد، وهو كيفية متابعة الحياة بعد الخروج من
الأسر، وخاصة إذا استغرقت مدة زمنية طويلة، وإيجاد سبل عملية وسريعة قادرة على
مساعدة ذاك الأسير في الانخراط من جديد في الحياة الاجتماعية والثقافية،
ولتوفير مثل هذه السبل، أنشئ أكثر من مركز لتأهيل الأسرى ومساعدتهم، ومنها ما
تخصص في متابعة أعمال وحياة الأسرى داخل السجون، وهنا نذكر "مركز أبو جهاد
لشؤون الحركة الأسيرة"، حيث جاءت فكرة التأسيس من أشخاص كانت لهم تجارب مريرة
وقاسية ومليئة بالألم والعذاب، انبعثت من معاناة يومية، امتلأت بها قسمات
وجوههم، وأصبحت نشيداً لصباحهم. خلف القضبان كانوا يستنشقون رائحة الأرض والحب،
ويصنعون من معاناتهم اليومية موسيقى للأمل القائم...وهنا استطاع الأسير فهد أبو
الحاج وبفضل جهود ذاتية في المرتبة الأولى وتقديم مساعدات مالية في المرتبة
الثانية من قبل جامعة القدس، تجسيد الفكرة لتصبح كياناُ قائماً بذاته على أرض
الواقع عام 1997، حيث كان الهدف الأساسي من إنشاء هذا المركز هو تجميع كافة
المنتجات الذهنية والفكرية واليدوية والتراثية للأسير الفلسطيني في سجون
الاحتلال، وبالتالي توثيق تجاربه، والحفاظ على مثل هذا النوع من التراث
النضالي، علاوة على إبقاء قضية المعتقلين حية، وإبراز أوجه المعاناة التي مرت
بها الحركة الأسيرة في المعتقلات من استخدام الغاز والضرب والاعتقال مرة أخرى،
ووضع الأسرى في زنازين انفرادية والاعتداء على ممتلكاتهم وإتلافها.
تمكن القائمون على المركز من جمع عدد كبير من الأعمال الفنية واللوحات التي
أنتجها المعتقلون الفلسطينيون، الذين قدموا عطاءات بلا حدود داخل سجون الاحتلال
الإسرائيلي وخارجها لتشكل شاهداً حقيقياً، كيف كان المعتقل يمضي وقته في أعمال
إبداعية وأدبية وسياسية وأشغال يدوية وفنية وزخارف.
يقول فهد أبو الحاج عن المركز: " إنه المتحف الذي يبرز الدور النضالي على
حقيقته، وهو كمركز تعبيري في أقصى درجاته لما مرت به الحركة الأسيرة الفلسطينية
بكل فصائلها وأطرها دون تمييز، إنه دلالة القهر والجبروت، وفي الوقت نفسه دلالة
قوة وإرادة، كما أنه دلالة العبقرية، والفن الحاذق لصناعات يدوية مختلفة
الأشكال؛ كالمساجد والمآذن وقبة الصخرة المشرفة، تم صناعة جميع ما سبق ذكره من
منتجات من عيدان الكبريت، أو الخرز، أو قوالب معاجين الأسنان، أو علب مناديل
الورق، أو نوى حب الزيتون، فالسجين يحاول جهده أن يستفيد من وقته فلا يذهب
سداً، فإما أن يقرأ وإما أن يستمع لصاحب المعرفة والثقافة، وإما أن يتعلم بعض
اللغات الأخرى كالإنجليزية والعبرية والفرنسية، وهذا ينم عن حسن إدارة وتنظيم
حياة فرضت عليهم من داخل السجون.
أما عن آلية العمل التي يقوم عليها المركز، فقال:" نعمل في المركز على ثلاثة
محاور، الأول: تأسيس متحف يشمل كافة المنتجات والمشغولات اليدوية والفنية بحيث
يرفق أي عمل بما يلي: الاسم الرباعي، وتاريخ الميلاد والاعتقال والإفراج،
وأخيرا مكان الإقامة، والثاني فيتلخص في إصدار موسوعة فلسطينية تضم تجارب
المعتقلين النضالية والمراحل والمحطات الهامة في تاريخ حياتهم الاعتقالية، أما
المحور الثالث فيتعلق بالإنتاج الأدبي الذي تم داخل السجون وخارجه سيبقى في
المركز مرجعاً مهماً للكتاب والباحثين العرب والأجانب الذين سيؤرخون لهذه
المرحلة الحاسمة في تاريخ شعبنا وقضيته، وهذه المواد ستخضع للبرمجة والتصنيف،
وستظهر ما يستحق النشر ضمن صفحات مجلة (مرآة الحركة الأسيرة) التي ستصدر
قريباً.
لكن ماذا عن تلك التجارب والحياة خلف القضبان؟ كيف لنا أن نذهب قليلاً إليهم،
أن نشاركهم تلك الآهات، فلحياة العذاب تلك روح أخرى وجسد آخر يتوحد في أحلامهم
وآمالهم، قادرين على تحقيقها وتجسيدها، وضمن هذا الإطار يخبرنا فهد أبو
الحاج:لقد شكلت الحركة الأسيرة ظاهرة فريدة من نوعها في العالم، نشأت بوجود
الاحتلال وتطورات الزمن، حيث استطاع المعتقلون والأسرى تحويل السجون
الإسرائيلية إلى ما يشبه المدارس والجامعات بالرغم من الظروف القاسية، فخرجت
آلاف الكوادر المبدعين والمثقفين الذين تفجرت طاقاتهم خلف القضبان.
باشرت جامعة القدس المشروع، بحيث قسم المركز تاريخ الحركة الأسيرة إلى أربع
مراحل: مرحلة الستينات ومرحلة السبعينات ومرحلة الثمانينات ومرحلة التسعينات،
لكل مرحلة خصوصيتها النضالية.
وأوضح أبو الحاج مدير المركز بأن عمل المركز يعتمد على البحث والتوثيق والوصول
إلى كل معتقل أفرج عنه، وحتى الذين ما زالوا خلف القضبان وأيضاً من اعتقل إبان
عهد الانتداب البريطاني وما تلاه من عهود على أرض فلسطين، وكذلك معتقلي الداخل،
فقد جرى الاتصال بهم من أجل تدوين تجاربهم وتوثيقها. ويوجد في مركز أبو جهاد
للأسرى غرفة مجهزة تجهيزاً يلفت نظر الزائر، حيث يوحي له بأنه فعلاً خلف قضبان
زنزانة حقيقية، بحيث تسرد تفاصيل قصة المعتقل الفلسطيني، كيف كان يعذب ويهان
وتمارس ضده الإهانات والممارسات اللاأخلاقية لإجباره على "الاعتراف". ويوجد في
المركز أيضاً مكتبة مليئة بملفات المعتقلين وسجلاتهم، وإحصائيات مختلفة وقيمة
جداً جمعت عن طريق جهود ذاتية، حيث يمكن اعتبار المركز مركزاً بحثياً الأول من
نوعه فلسطينياً ودولياً، ولا تقف مسؤولية المركز عند هذا الحد بل استقبل المركز
في الأعوام الماضية الكثير من الوفود الدولية وتم الاتصال بمراكز ومتاحف عالمية
تحكي ققص الظلم والاضطهاد.
لا تنتهي المأساة عند هذا الحد، ولن تنتهي، ربما هناك نهاية لقصة أسر، أو
اعتقال، فالأيام تنسج من نفسها إما مهزلة أو أسطورة، وهم في جميع الأحوال
ينسجون من قضبانهم مسرحاً لحريتهم وسجناً لتعاستهم، ربما يبنون مما تبقي لهم
ذاكرة أخرى جديدة لمستقبل سيتمكن من تسجيل نفسه بين طيات هذا الزمن، وموسيقى
جديدة ناعمة تبني لهم أرضاً وسماءً أكثر رقة. |