|
زيارة
خاطفة
شيرين
ياسين - القدس
ها هو
طفل آخر يبكي في تلك الليلة، أتراه يبكي كأي مولود جديد يبكي حين يولد، أم أنه
يبكي كونه ولد دون أب، وكون أمه غارقة في عرقها المتعب؟! .. أتراها تبكي من
آلام المخاض أم أنها تبكي زوجها الذي سرقته أيادي السجانين من أمام أعينها،
ليولد طفلهما البكر دون أن يراه...
وهكذا تبدأ الحياة المريرة لتلك الأم وذاك الطفل، إذ تمر الأيام الطويلة كي
تحصل تلك المسكينة، وحالها كحال الكثيرات، على إذن لتزور زوجها القابع في غياهب
السجون .. تمر الساعات وهي تقف مع طفلها في انتظار الأمل، قد تحصل على ذاك
الإذن الكئيب أو تعود خائبة إلى محاولات أخرى لزيارته...
وحين تحصل على الإذن المنشود تهرع إلى داخل الوكر الإسرائيلي لتلاقي ما كانت
تتوقعه، غرفة صغيرة، جدران سوداء وقلوب سوداء، تمشي دون وجهة معينة تعطيهم
التصريح وببرود شديد يضحكون، تعلو ضحكاتهم مع صراخ الرضيع، يفتشون في حقيبتها
على أمر مجهول ثم يقودونها إلى زوجها...
من خلف قضبان من الحديد دقيقة الصنع تراه يقف ينتظر، لكن دموعه لم تكن لتنتظر،
يرى طفله الوليد من خلف القضبان، يتمنى لو أن أصابعه كانت قادرة على اختراق هذه
القضبان وتلمّس وجه طفله... تحمله... تقبله... تنتزعه من بين ألف صمت إنساني
على هذه اللاإنسانية... تنظر إليه وينظر إليها.
أتراك تذكرت أن طفلا لك قد ولد منذ أشهر، أتذكر حين قلت لي أنك سوف لن تفارقني
عند ولادة الطفل؟! أتذكر حين أخبرتني أنك سوف تختار له اسما حالما ترى وجهه
وتلمس يداه الناعمة؟ .. ها هو ذا طفلنا جاء إلى الحياة، ملأت صرخاته بيوت
الجيران، وأنت الوحيد الذي لم يسمع هذه الصرخات مع أنك أحق الناس بسماعه... ها
هو ذا يشبهك وكأنه أنت، لا حاجة بعد اليوم أن أختلس النظرات إلى صورتك المعلقة
على الجدران، إذ يكفي أن أنظر لابنك بين ذراعي كي أتذكرك يا زوجي الحبيب،
وأتذكر هذه القضبان التي فرقتني عنك وفرقتك عنا... تحدثي أكثر، فما من وقت آخر
للحديث، قد لا تريه ثانية إلا بعد سنوات .. قد لا يرى طفله بعد الآن، تحدثي
إليه دون أن تتركي له فرصة للحديث، فليس هناك من قصص في السجن سوى حكايات الظلم
والأسى... لكن، سرعان ما تخفق القلوب أمام من أتى ليطرده إلى أسره، ويطردها إلى
حياة مريرة...
تبتلع الدموع كل الكلمات فتغيب المرأة مرغمة ويغيب معها نهار جديد... تعود
مصفرة الوجه مغلوبة الأمر إلى محاولات أخرى لتحصل على إذن آخر. |