متشابهات متناقضة !

إياد بلعاوي (19 سنة) / غزة

تكاد ترغب هذه الورقة في البقاء فارغة كفراغ الوقت في مساحاتِ السجون، إنها المرة الأولى التي أحس فيها بالعجزِ عن الكتابةِ إلى هذا الحد، كأن القضبان التي تأسر خلفها إخواننا وأبناءنا في سجون الاحتلال تعتقل أفكاري خلفها..
ليس هناك أية حمامة وقتٍ تحمل إليّ بشارةَ فكرة هاربة من غبار المعركة، كما لا توجد حمامة صدفةٍ تحمل لهم برقية بالحرية في لجة الفوضى.
تكاد تكون الأمور متشابهة تماماً، غير أنني هنا أضعت فكرتي، وهم هناك .. سرقت منهم حريتهم أقصد حياتهم .. لعل الحكاية تبدأ من هنا .. عجزي عن الكتابة بموضوع الأسرى والمحررين شبيه إلى حد كبير بعدم قدرتهم على الانعتاق من سلاسل الأسر التي تقيدهم .
مساحة حريتي لا تزيد عن مساحة ورقة من حجم (A4) فقط .. إنها "ضيقة جداً".
ليس كما تعتقدون، هم في الأسر صحيح لكن مساحة حريتهم بحجم أحلامهم في ليل يغمره القلق والانتظار والحنين إلى ذكرى "كبيرة جداً" .. مؤلمة وقاسية جداً.
الأمل يحذوني بملء هذه الورقة بالحبر عما قليل، هو نفسه أو ربما أقوى منه يدب في صدورهم ويصبّرهم ويخبرهم أنهم ملاقو حريتهم يوما ما، بل ويحدثهم عن آفاق جديدة ليرسلوا في عيون الشمس ابتساماتهم، حين تحط حمائم الفرح على شفاههم وعندما "يـ.. س..." .. هنا وقفة عن الكتابة..!!!
الأمر بسيط مجرد جندي إسرائيلي أحس بالملل فأرسل قذيفة دبابة أيقظت الليل من سباته العميق، كان الجندي يرغب بالتسلية لا غير.. مثل هذه الأمور أصبحت جزأً لا يتجزأ من حياتنا... غداً سنشيع الشهداء.
نعود إلى موضوعنا .. إلى أين وصنا في الكلام..؟؟!
حتى الآن نصف الورقة التي بين يديَّ قد امتلأ، يبقي النصف الآخر .. إنها مشكلة كبيرة..!!
بدأ الملل يستشري في أصابعي، كأن حاجزاً منيعاً يقف بيني وبين ورقتي .. حياتي بمعنى آخر.. لا أستطيع أن أصبر خمس دقائق أخرى لإكمال هذا النص.
تعبئة الفراغ بالكلام بسيطة.. ولكن كيف سيصبر المعتقلون أعواماً على هذا الفراغ الذي يملأ حياتهم.. كان الله في عونهم... وأقول إننا نعيش ظروفاً متشابهة .. أيقنت الآن أنني كذابٌ كبير.
كانت مجرد محاولة نرجسية فاشلة لتعزية نفسي .. أحاول كثيرا إقناع نفسي بأنني، أقصد بأننا، نقوم بدور وطني كبير جداً..
بصراحة وقياساً بما وصلت إليه أنا من مرحلة عجز عن الكتابة، عرفت أنني عاجز أيضاً عن أداء أي دور، وغير قادر على إعطاء أي شيء مقابل ما يدفعه الأعزاء خلف القضبان..
ماذا نعطي نحن مقابل ما أعطوه وما سيعطونه؟ .. إنهم الضحية الدائمة والمستمرة... هم العنوان الذي تتشح به قضيتنا، والملح الذي يحفظ أجسانا من التعفن.
إنهم وسيلة اليوم للوصول إلى الغد و"إنهم الوجه المشر..ق.. و إ..نـ...."، هنا وقفة أخرى عن الكتابة، ليس للسبب السابق، لكن الساعة تشير إلى منتصف الليل .. أبي يحتاجني الآن، سأعطيه جرعة الدواء المطلوبة.. الورقة امتلأت الآن.