|
قرار
رشا طلبة
/18سنة
هناك
خلف النافذة، كان يجلس على مقعده الخشبي القديم، يؤثر الصمت على الكلام،
رزيناً، هادئاً، لا يتحرك فيه ساكن، إلا تلك العينين الدامعتين حينما أخذ ينظر
إلى تلك اللوحة الحزينة نظرات طويلة، كان يتأمل ذلك الوجه الجميل دون أن تطرف
اهدابه الطويلة الناعمة ولو للحظة واحدة، كان يلمس بأصابعه النحيلة تلك
الوجنتين المتوردتين، ويعبث بشعرها الأسود المبعثر على أكتافها، المسافر في
أرجاء الكون، ويرتشف من عينيها النجلاوين خمرا يسكره أبدا, ويمسح من وجهها
دمعتين ترقرقتا في مقلتيها.
حينها كان صوت أقدامي على الأرض يكاد لا يسمع فدخلت هادئة تتسابق خطواتي إلى
ذلك المكان نظرت إليه ولكنه لم ينظر إلي.
همست في أذنه مرات ولوحت بالريشة أمام عينيه، وقطعت نسيج العنكبوت الواهي،
وحطمت تلك التماثيل المنحوتة، وقطفت أزهارا من زهريته، ولكنه لم يسمعني ولم
يشعر بي ولم يراني، فقد كان مشغولا بتلك الحسناء الجميلة .. تسللت هادئة
وذهبت...
وفي اليوم التالي، كان يجلس على مقعده كعادته خلف مكتبه وقد دعى يراعاته تسترسل
في اجتلاب الأفكار بعد أن بعثر أوراقه هنا وهناك...وطوى بين الصفحات لهيبا من
العاطفة، كان منهمكا بالكتابة، تتلاحق ضربات قلبه متصارعة فتسمع صوت زفيره عن
بعد بعيد كان يمسك بشعره بكل خفة فيعيده إلى الوراء بعيدا عن عينيه ويعبث بربطة
عنقه الزرقاء فيفسح مجالا للكلمات أن تخرج بلا دافع...
فأيقنت أنه يكتب الرواية، تسللت بكل هدوء وذهبت ....
وعندما حل الخريف، وضاع مني ربيع الحياة المزهر بعد ان تساقطت أوراق الشجر على
الأرض واندثرت تحت الرمال وبكت العصافير وسقطات تلك الأرجوحة المعلقة على فرع
أخضر....
شعرت بالحنين إليه ذلك المكان...
عدت إليه وكأنني أعود إلى سابق عهدي...
نظرت إلى الأرض، التي كانت تضم بين طياتها صفحات الرواية المكتملة الحزينة، وقد
حملت اسم تلك الحسناء الجميلة، وصورتها كانت غلافا لها.
وبجانبها على خطوات ليست ببعيدة كانت جثته الهامدة تنام نومة أبدية..
وفي ذلك المكان مات هو مرة واحدة...بينما مت أنا ألف مرة.
فإلى ذلك المكان المهجور لن أعود أبداً
أبداً |