أسيرات ولكن...
هل الدفاع عن "الأرض" .. جريمة؟!

ميساء الأطرش
20سنة /غزة

فتح الملف فهل سيقرأ؟ وإن قرأ فهل من مستمع؟ وإن سمع هل من مجيب؟، أسئلة تطرح نفسها دون استئذان لأناس يريدون التفكير بأمور آن لنا أيضاً أن نزيل من عليها غبار أرفف شهدت ملفات منسية، كملف أمهات ضحين بحياتهن للدفاع عما يدافع عنه كل إنسان حر، ويحمي ما يستطيع أن يحمي من بقعة أرض خضراء من بلده.
فمنهن من فقدن الحياة في سبيل هذا الطريق العفيف، وكان لهن حسن الحظ بأن يحصلن على لقب "الشهيدة".
ومنهن من بقين على قيد الحياة حتى يشهدن ما تبقى من المسلسل المأساوي، الذي يمثل في حياتهن على وجه الخصوص، وحياة الشعب الفلسطيني المليئة بالمواقف الدرامية.
هؤلاء النسوة اللواتي حاولن أن يشاركن بالدفاع عن كرامة الشعب الحر، وقعن في أيدي خبيثة دنيئة رمت بهن في سجونهم، حيث يتبعون أساليب غير إنسانية قاهرة مذلة لسنوات عدة، بتهمة أنهن دافعن عن الوطن.
وعندما يخرجن من ذاك السجن يدخلن إلى السجن الاجتماعي، حينما نستقبلهن بمزيد من الإهمال والنسيان، عدا عن نظرة المجتمع الأثقل همّاً لهن، وكأن ذلك عقابهن لأنهن بادرن للدفاع عن "الوطن".
فبدل أن يقلن إنهن أسيرات من أجل الوطن بعزة وفخر يقلنها باستحياء، إن لم يخفينها حتى لا يخدش حياؤهن بكلمة أو نظرة أو حتى فكرة لربما تسقط سهوا من أحد أبناء شعبها.
أأخطأن حين قالوا على أقدامنا سقط المحال، وأورقت الرجولة والرجال؟؟، أم نسينا بأن من حق كل فلسطيني أن يدافع عن حريته رجلا كان أم امرأة ؟؟
وهم الآن يروون عبر هذا اللقاء المقتضب، شيئاً من عذاب الحاضر الذي هو أقسى من عذاب الماضي، إذ يعتبرن أن ما كان من عذاب العدو وظلمه مقبول لديهن، كونه عدو ولا مفر من بطشه وظلمه، ولكن المرفوض لديهن أية جرعة قسوة وجهها أبناء شعبهن إليهن، وهن هنا لا يطلبن سوى العدالة ولا شيء سواها.
وبالرغم أن معظمهن يئسن من الكلام، والأخريات لا يستطعن أن يتحدثن عن هذه المعاناة، إلا أنهن تغلبن على تلك الذكريات المؤلمة، مؤكدات أنهن لا ولن يساومن بوطنيتهن ودفاعهن عن الأرض، قائلين "إن هذا واجبنا وما قدمناه هو أقل شيء استطعنا تقديمه، نحن أسرنا من أجل الوطن، ناضلنا من أجله، ولم ولن نطلب يوماً أن يكون هناك ثمناً لذلك النضال وتلك التضحية .. لسنا نادمات على ذلك، معتبرات أن كل ما رأينه من مذلة السجون هو "تاريخ نعتز به، كونه كان في سبيل تحقيق الذات والحرية، إننا أحرار، والحر يدافع عن حريته".
وبدأ الحديث يجر أذيال حديث آخر، فقد تحدثن كثيراً عن حياتهن بعد الأسر، وبحثن مشاكلهن التي واجهتهن ومازالت لغاية الآن، والتي امتدت منذ السبعينيات إلى الآن، ووجدنا أن المشكلة ما زالت نفسها، مع تغيير الأسلوب، فلكل مقام مقال.
قالت إحداهن: "كانت ولا تزال مشكلة الأسيرات المحررات واحدة ولن تتغير وهي المجتمع رغم أن من سيسمع أو يقرأ سينكر هذا الكلام ولكنها الحقيقة .. في السبعينيات حين أسرنا كان الناس يقولون إنهن أسيرات باشمئزاز، ولكن الآن يقلن إنهن أسيرات بكل اعتزاز !!! إنهن نساء عظيمات .إنهم يقولون عظيمات، ولكننا لا نرى تقديراً لهذه العظمة إن كانوا حقاً يقولونها عن قناعة.
لو كان هناك أمانة للكلمة التي يتلفظون بها لكانوا أنصفونا، ولكنهم ......!!!! "
وقالت أخرى: "تحدثنا كثيراً بهذا الموضوع حتى أننا صرنا نرى في الكلام مذلة .. نتساءل هل سنتكلم لمجرد الكلام ؟ أم سيؤخذون كلامنا بعين الاعتبار ؟؟".
مشكلتنا ليست في أننا أسرنا وتعذبنا وغير ذلك .. مشكلتنا أننا نمتلك مهارات للعمل اليدوي مثل الخياطة وغيرها، لكن لا يتاح المجال لنا للاسترزاق من خلال هذه المهارات .. لو لم نكن نحتاج العمل لما كنا خرجنا من منازلنا.
وقلن أيضاً: "لقد حرمونا رواتبنا، التي كنا نتقاضاها قبل اعتقالنا، فمنا من كن مدرسات، وبعد الأسر قطعت الرواتب حتى أنهن لا يأخذن رواتب التقاعد، لماذا ألأننا أسيرات ؟ .. ما يدفعنا للحديث هو الحاجة ونحن لا نطلب مالاً دون عمل، أو ونحن جالسات في بيوتنا، بل نحن نرغب بعمل مأجور، ولكن لا أحد يلبي مطالبنا أو حتى يلقي نظرة علينا، فآذانهم تصم حين نصرخ مطالبات بحقوقنا".
وختموا لقائي معهن بأن "لا تشكو للناس جرحاً أنت صاحبه
لا يؤلم الجرح إلا من به الألم"
قالتها إحدى الأسيرات بعين تبتلع الدمع وترسم ابتسامة شاحبة، و قالت "هذا ما قاله أحد المطربين الذي يسمعه شعبنا أكثر منا"، وغادرت المكان، وخلفت وراءها زميلاتها جالسات يتأرجحن بين شطري هذا البيت، ويحاولن أن يقتنعن فعلاً به وبصحته، وكأنهن يسألن بنظراتهن: أفعلاً لا يؤلم الجرح إلا من به ألم ؟؟