عمر تلتهمه الأرقام

فداء الأعرج
18سنة /غزة

"ألا يوجد أرخص من هذا؟"، قال بخجل، فصاح البائع نافذ الصبر، فيما يشبه الثورة: أرخص من هذا؟!، أتظن نفسك تشتري من سوق الملابس المستعملة؟!.
وخرج من المحل فاقد الأمل يسير في شوارع السوق، بينما تلامس قدماه برودة الشارع المبتل، عبر حذائه المهترئ، الذي بالكاد يستر قدميه.
لم يكن يجرؤ على مجرد التفكير في شراء غيره، فهنالك أشياء أكثر أهمية يحتاجها: دقيق، سكر، زيت، دفاتر، وأقلام يحملها أولاده الأربعة بأيديهم، لإدراكه أنه إن اشترى الأقلام فلم يكن بمقدوره شراء الحقائب المدرسية، سيكتفي بالحقائب القديمة التي يستغني عنها الجيران، التي من الممكن أن تريح الأيدي الصغيرة من حملها اليومي المعرض للتناثر والضياع، كما تحمي الأطفال من نظرات السخرية أو الشفقة.
عليه شراء الكثير، لكنه لا يستطيع إلا شراء أقل القليل، أي تلك الأشياء التي لا يمكن الحياة دونها.. حتى هذه الأشياء قد لا يجد ثمنها، فالشواكل القليلة التي يتقاضاها يومياً كـ"صبي نجار" في أحد الورش، لا تكفي كل هذه الطلبات.
كان نجاراً معروفاً، له ورشته المستقلة .. لكن تقلبات الزمن ومرض ابنه لم يبقيا منجرة، ولا عدة، ولا دواء، ولا حتى طعام أو شراب، إلا ما قل ثمنه، "ولكن لا يهم... الحمد لله أن شفي الولد"... لا يزال في أول عمره، وعليّ العمل لتأمين مستقبله ومستقبل اخوته، كي لا تقرصهم الحاجة، ولا تسدد لهم نظرات الشفقة كالطلقات .. أعطته الدنيا هموما لا تنتهي، لكنه مصمم ان يعطي أولاده المستقبل، الجامعة، العمل، والفرح الذي سيعلمهم كيف يصنعونه.
أفاق من خواطره بدفعة خفيفة في كتفه، فإذ هو قد جرته قدماه من حيث لا يدري إلى سوق (الدلاّل) الذي يعج بكل ما يمكن أن تريده بأسعار متدنية، بحيث يستطيع الكل شراءها حتى هو بشواكله القليلة أخذ يقلب بصره بين المعروضات، ونداءات الباعة تصم أذنيه: "بثلاثة شيكل الشقفة يابلاش"00 "ثلاجة نص عمر كل عمرك معاها"000 تذكر الليلة السابقة حين جاءه ابنه الأكبر خجلا يحمل بين يديه بنطاله ليري ما به من خروق واهتراءات وقد ناء لم معها متسع للمزيد .. طالبه بصوت مخفض "يابا بدى بنطلون كحلى للمدرسة"، وكأن ليس من حقه المطالبة بالبنطال الجديدد، الذى اعتبره دوما من الكماليات، والان ها هو البنطال الكحلى في يد الدلاّل، وكأنه يناديه ان اشترينى واسعد قلب ولدك، اندفع مقترباً ليسأل الدلال محاولاً الصياح عالياً ليسمعه، "البنطلون هذاك بالله"، ويصيح الدلال مجيباً بعجلة بشيكلين، ناولهما له وتناول البنطال ليتفقده .. يبدو بحالة جيدة، بغض النظر عن هذه المزق الصغيرة، وسار به مبتعدا عن السوق وكأنه يحمل غنيمة، وبينما يستمر فى تفقد الغنيمة لفت نظره حروف بالعبرية وبعض الارقام الكبيرة "الا لعنة الله انصبي على رؤوسهم، ولكن لا يهم انهم يعيشون بخير ارضنا وحتى منتجاتهم التى صرنا نرفضها قد صنعت بايدينا وعرقنا... لو اقتلع عيونهم بيدي هاتين، ومد يده ليقتلع النمرة بحروفها المستفزة عن البنطال، فتوقفت يداه كأنه رأى حية تسعى، وكأن النمرة هى التى ستقتلع عيناه.
لقد ميز الكلمة والحروف، يا للهول اين انت يا لعنة الله من رؤوسهم؟!، انها أرقام سجناء "رقم 5607"، سجين ببنطال لا يتسع لخصر أكبر من خصر ابن الخامسة عشر .. حتى الأطفال طالتهم القضبان التى تنمو .. لها أذرع جديدة، كل يوم تطال كل من يتنفس حباً لهذه الأرض .. "حتى الاطفال أيتها الارقام التعيسة .. من ذا الذى يحملك .. آه .. كنت تحملين عمره وتركضين به فلا يترك الا وبه بقية من العمر لا تكفيه لان يصل حدود قبره ويموت؟!، أي تعيس كان ألا أتعس الله من صنعك وزنّر زنابق عمره بك.
وسار يركبه الهم والمواجع التى تفتحت، أو حتى التى لم تغلق .. عليه أن يغلق الأفق في عينيه .. أن يقتلع هذه العيون، يجب أن يقتلع عيونهم، وليكن ما يكون...