|
عبر
الهاتف من سجن مجدو
سطور من داخل الكتاب
خالد المغربي/21 سنة
جامعة القدس المفتوحة
فترات
تمضي، وكلمات تقف وعبارات تنحني إجلالاً واحتراماً لإنسان خطف القدر جزءاً من
حياته أو حياته في فترة عابرة في حياة غابرة، تمتص أجمل لحظات عمره، تخطفه من
أهله وأحبائه وتبعده عنهم، تحرمه روعة تلك اللحظات، فإخواننا الأسرى والمعتقلين
الذين هم جزء لا يتجزأ من الوطن الأم، فلسطين، وجوهرة تمد باقي الأجزاء
بالطاقة، بصبرهم وإيمانهم يسطرون أسمى عناوين التضحية والبطولة. كان هذا الحوار
التالي من داخل سجن مجدو:
عندما يختفي الشوق وراء الآمال
"إن الحنين والشوق يأخذني إليهم، فأنا لم أرهم منذ سنة تقريبا، وذلك بعد أن
منعت الزيارات عني، ولست أنا الوحيد، بل هناك من رفاقي أيضاً من لم ير أهله منذ
ثلاثين شهراً وأكثر، ولكن ما يخفف ظمأي هي بضع دقائق أقضها بالحديث معهم عبر
الهاتف، الوسيلة الوحيدة المتبقية، بعد منع الزيارات وأية وسيلة أخرى للاتصال
من "التشويشات" تقوم بها قوات الاحتلال، انتظر موعد زيارة أهلي بفارغ الصبر فهي
كالضمادة التي توضع على الجرح لتخفيف الآلام.
إلا أن هزة تصعقني وتبدد الحلم، عندما بقول أحد الجنود "الزيارة ألغيت!". كانت
هذه كلمات محمد أبو الرب 20 عاماً عبر الهاتف من سجن مجدو.
ماذا يبقى عندما يصبح الجلاد طبيباً وتصبح الحشرات ضيوفاً
يقول إسلام البستنجي(23 عاماً) من سجن مجدو: "إن الجنود الذين يتقنون القتل
والإذلال وعلى هامش اهتماماتهم دورة بسيطة في العلاج اصبحوا بها بمثابة الأطباء
لنا، يعالجوننا بأهوائهم غير مكترثين بحالنا مهما كانت، وسيارات الإسعاف في بعض
الحالات تتأخر وفي أغلبها لا تأتي، فنحن نعاني معاناة ما بعدها معاناة، ناهيك
عن نقص الأدوية التي إن توفرت فإنها تقتصر على المسكنات.
أما محمد فيقول : "إن المكان الذي ننام ونعيش فيه عبارة عن خيام لا تحمينا من
البرد، بل انها غير قادرة على الصمود بوجه الرياح، فتفتح أبوابها للمطر،
وتستقبله بكل ترحاب، تغسل آمالنا وتزيد معاناتنا، وتلقحنا بشتى أنواع الأمراض،
منعشة مرافقينا حشرات وحيوانات صغيرة طفيلية تقتسم معنا خيامنا، التي تضم ما
يقارب 30 شخصاً في الخيمة الواحدة ".0
تختفي الرأفة وتبقى الدمعة.. والمأساة تتكرر
"طفلة صغيرة حضرت مع قريب لها لرؤية والدها، الذي كان بشوق ينتظر لقائها، فحال
دون ذلك الجندي يمنعها من رؤيتها، على الرغم من أنها تملك تصريحاً وقراراً من
المحكمة برؤية والدها، فلم يرها وحرم من ضمها بين ذراعيه " هذا ما رواه إسلام.
فما أصعبه من موقف تترقرق عنده الدمعة ويعجز اللسان عن وصفه .
وذكر محمد من جهته: "أن المعاناة لا تقتصر على هذا الجانب فحسب، بل إن بعض
زملائي بعد إطلاق سراحهم لا يصلون إلى منازلهم إلا بعد أيام، وذلك بسبب "رميهم"
في مناطق أخرى غير مناطق سكناهم وبعضهم يعاد إلى السجن من جديد".
ومضة من النور تشق الظلام
عبر محمد عن نفسه قائلاً: "إنني أمر بظروف صعبة فأنا فرد في عائلة مكونة من
سبعة أفراد، والدي لا يعمل وأنا وأخي معتقلان، علماً بأنني قد أنهيت الثانوية
العامة العام الماضي بنجاح وقد سجلت في جامعة النجاح لدراسة الحقوق ولسوء حظي
لم أدخلها، ولكن الجانب المشرق الذي يهون علي، وعلى زملائي حجم الكارثة، هو أنه
ورغم محاولات الجنود سلبنا إرادتنا وكبريائنا وتكسير عزيمتنا، ورغم الحياة
الصعبة والمعيشة المريرة، فإن معنوياتنا مرتفعة وشامخة كناطحات السحاب. هذا هو
قدر شعبنا، فالإنسان عادة يرى ما يريد أن يراه، إما أن يرى اليوم بسنة أو أن
يرى السنة يوم، فالبداية صعبة والحرمان من الحرية أصعب من الصعب نفسه ولكن
الغالي يهون في سبيل الأغلى، وهي أرض فلسطين الحبيبة التي تحتضن أبناءها حيثما
كانوا وأينما حلوا".
وقد عقب إسلام على ذلك بقوله: "إن السجون التي نحن محتجزون فيها عبارة عن أقفاص
مفتوحة رغم إغلاقها، وإننا نتمتع بالحرية رغم سلبها ونتنقل رغم القيود، إن هذه
السجون تحولت إلى معاهد وجامعات، فمن لا يقرأ ولا يكتب يتعلم عبر جلسات محو
الأمية ودورات في اللغة الإنجليزية وغيرها بالإضافة إلى الأعمال اليدوية
كالبراويز والتحف وغيرها، بأدوات بسيطة وبجلسات تعليمية وثقافية وحوارات سياسية
عن التغيرات وتحليلها لثقل الخبرات والمهارات".
كان هذه سطور من صفحات كتاب، وما كان محمد أبو الرب وإسلام إلا نموذجاً مبسطاً
بحجم المعاناة التي يمر بها أسرانا في سجون الاحتلال، وما هم إلا مسافرون في
محطة هي الأهم في سلسة الأحداث المتتالية، التي ما يلبث أن ينتهي حدث منها حتى
ينسى، ولكن هذه المحطة لا تنسى ولا يجب أن تنسى، لأنها وللأسف متجددة تخطف
شبابنا وتذبل ورودهم بأسوأ حالات العيش. |