|
حلم
... بين أنياب الموت
هبة محمد
الأغا
16سنة – خانيونس
تلاقت
عينانا، اختنقت العبرات، تحجرت دموعي كصخر من صخور الوادي، تجمدت يداي متشبثة
بذاك الشباك الأخضر، هل لك يا دموعي أن تخرجي أرجوك أريحيني منذ متى لم أره،
فترة من الزمن طويلة عانيت فيها من قسوة البعد عنه، عشر سنوات بالنسبة لي دهراً
من دهور المرقد مضت.
كنت في حاجة ماسة إليه، من سيمسح الدمع عن عيني إن قهرت، من سيربت على كتفي إن
أفلحت، من سيداعبني ويدللني، آخر مرة رأيته فيها كنت طفلة أبلغ من العمر ست
سنوات كان لم يزل شاباً، الآن خط الشيب شعره وتجعد وجهه وكبر، كل ذلك دار في
ذهني خلال ثوان قلائل حتى صرخت بأعلى صوتي: "أبي..أبي".
حاول تهدئتي، أنا هنا يا نور انظري إليّ جيداً، أنا أباك أنسيتني يا نور أم
أذكرك؟ .. وأخذ يسرد بعض القصص التي كنت بطلتها في الطفولة، وحينما انتهى حديث
المعجزة بكيت .. انفجر بركان من الدموع .. أسندت ظهري للجدار، وأخذت أبكي
بحرقة، والجميع ينظر إليّ بحيرة، حتى أن أحد الجنود ود لو يأتي ويكسر فمي
ويخرسني، لكنه لم يجرؤ، لأنه يعلم لماذا أبكي.
استمر الحال هكذا والوقت كالسيف حتى جاء العسكر وأعلنوا انتهاء الزيارة التي
منعت منها عشر سنين، فلقد انتهى الموعد دون فائدة، وسنعود لغلاظة الطريق وصعوبة
الحواجز والتفتيش، وكمن عاد بخفي حنين .. صحيح أنني رأيت أبي، لكني لم أرتم في
أحضانه لأشكو له ظلم العباد في البلاد .. وددت لو أكسر السياج، ولكن؟!
هكذا كانت زيارة نور الأولى بعد عشر سنين..
هناك على بوابة السجن انطلقت رصاصة غادرة واخترقت جسداً ما، واستقرت فيه للأبد،
كان ذلك الجسد لنور أراد أحدهم ان يريحها وللأبد.
توقفت الصرخة في حلق والدتها وانهارت ووقعت أرضاً، حاول بعض الأهالي إسعافها،
لكنها غابت عن الوعي .. ساعتان ونور تنزف وأمها في حالة سيئة .. جاء الإسعاف
أخيراً، وأخذ الاثنتين إلى المدينة.
في سجن نفحة المخيف اخترق صوت الرصاص آذان والد نور، وانقبضت عضلات قلبه،
وكأنما أحس بأن نور فارقت الحياة، واستشهدت برصاصة غادرة في ظهرها .. بعد يومين
أتاه أحد الجنود ليؤكد له الخبر المشؤوم، تلقاه ببرود شديد، وكأنما لا يسمع
شيئاً!
واساه الجميع، لكنه كان ينظر إلى السماء كصقر ملحق ينظر بعينين يغمرهما الحزن
المتواري خلف الغضب، كحجر من لهب.
يقسم على الانتقام، يفكر في تلك الصبية المسكينة التي كانت تحلم برؤياه، ويحلم
بالخروج ليحتضنها بين ذراعيه، الصبية التي تحلم وتطمح وتفكر .. نور هي سر بقاء
أبيها، الأمل الذي ينظر إليه بعين التفاؤل، أهكذا في غمضة عين ضاع الحلم!! ضاع
كل شيء!!
خفض بصره قليلا فإذا به ينشد إلى رقعة ساحة السجن، لقد كانت ورقة بيضاء من تلك
التي تشبه الرسائل التي كانت ترسلها نور، جرى باتجاه الورقة .. فتحها .. فقرأ
عليها عبارة خالدة وستخلد في نفسه إلى الأبد: أبي .. تذكرني دائماً". |