|
زاوية
قرأنا لكم
مدفن
الأحياء
شهادات من المعتقل
علاء
الترتير
17سنة/جامعة بيرزيت
لا أعرف
ما سر تلك الرغبة التي ألحت عليّ أن أختار هذا الكتاب، لربما عنوان هذا الكتاب
"مدفن الأحياء" أثار فضولي لأعرف أين مدفني ومدفن رفاقي، فحياتنا مليئة بالقبور
.. تنتظر من يدفن أولاً، وكأننا في سباق نحو الموت…
الحكم مؤبد وعشر سنوات.. مسافة طويلة .. ينقضي العمر وهو في بدايتها، هم ثقيل
يتجرد لا نهاية له، جبل جثم على قلبه وحط رحاله على صدره… كيف يتزحزح هذا الجبل
الراسخ، وكيف يضع حلأً لهذا السفر الطويل؟ .. يبدو أن المخرج أصبح وشيكاً
ونهاية هذا العذاب أصبحت قريبة… خروج من السجن ولكن إلى أين؟!
تناول وليد الهودلي في كتاب "مدفن الأحياء" معاناة وصمود الأسرى والمعتقلين،
يكتب فيها يوميات المعتقل ويدون شهادات حقيقية من داخله.
تجول الهودلي في سجون الاحتلال من "أنصار"، و"الرملة"، إلى "مجدو"، و"عسقلان"،
ثم انتقل إلى مستشفيات السجون، من مستشفى "الرملة" إلى مستشفى "برزيليا" ..
دوّن الهودلي في هذا الكتاب اثنتي عشرة قصة لاثني عشر معتقلاً، كل معتقل له
قصته مع السجن والتعذيب، والملاحظ أن كل القصص متشابهة نوعاً ما لأن الظروف
متشابهة أصلاً، وقد تطرق الكتاب إلى النواحي الصحية للأسرى، ومدى التعذيب
والإذلال الذي يتعرض له المعتقل، قبل أن يعالج .. هذا إن تم علاجه أصلاً !
تحدث الهودلي أيضا في كتابه عن ألأساليب العلاجية التي يتبعها العدو مع الأسرى،
فمثلأً تجري عملية قلب مفتوح لمسن جاوز الستين وأرجله مقيدة بالسرير، إضافة إلى
الحراسة المسلحة عليه خوفاً من هربه .. تخيلوا أيضاً أن يقوم طبيب السجن بإعطاء
المريض العلاج الخاطئ متعمداً، ما يفاقم المشكلة الصحية لديه، ولا يساعد على
حلها ! .. وفي بعض الأحيان يقوم الطبيب بدور المحقق والمفتش والمعذب! ..
وأشار الهودلي إلى ضرورة اهتمام الحكومات والدول العربية بمعتقليها في السجون
الإسرائيلية، كما تفعل إسرائيل مع معتقليها، وتجعلهم أساطير، مشيراً إلى ما
فعلته مع "رون أراد"، معرجاً من جديد نحو الناحية الصحية، معدداً الأمراض التي
يعاني منها الأسرى، وأهمها التليف الكبدي، والفشل الكلوي، والسكري، والالتهاب
الرئوي، وتصلب الشرايين، وسوء التغذية، وفقر الدم، وعادة ما يتم الاكتفاء
بالمسكن أو بجرعة ماء لعلاج الأمراض الاسبقة، حيث لا يتم الاستعانة بطبيب إلى
في حالة وصول المريض إلى حافة الموت.
ويبدو أن الهودلي قد أحسن اختيار العنوان، فالعنوان مناسب جداً لمحتوى الكتاب،
فعندما تفتح خراطيم "غاز الأعصاب" في السجون المغلقة، تتحول هذه السجون إلى
مدفن للأسرى الأحياء، وعندما يوضع المريض، المصاب بالحروق، في غرفة ذات حرارة
مرتفعة (فرن)، فتلك الغرفة مدفنه، وعندما يتأخر غسل الكلى لساعات طوال بحجة
تصليح الماكينة، أو حتى يحضر الطبيب، فالسرير مدفن المريض، وعندما يوضع المريض
بالأومة في غرفة متعفنة ليس فيها أية وسيلة للتهوية فتلك الغرفة مدفنه….
وبعدما ينتهي القارئ من قراءة هذا الكتاب يحتار ماذا يفعل، أيرفع دعوة ضد
إسرائيل؟، أم يطالب بمحاكمة السجانين كمجرمي حرب؟، أم يلوم العالم لعدم تدخلهم؟
.. لا يجد القارئ سبيلأً إلا أن يعيد قراءة هذا الكتاب مرة أخرى ثم يضعه على
رفوف مكتبته لحين صدور شهادات أخرى من المعتقل.
وأود أن اذكر أن الطبيب "المشعوذ"، الذي نسي إنسانيته وتعامل كسجان مع الأسرى،
كان قد سرق مسودة الكتاب، فما كان من سلطات الاحتلال إلى أن منحته ترقية
ومطافأة، وما كان من الهودلي إلا أن أعاد الكتابة مجدداً.
لا يمكن لشرطة العذاب أن تقوم بالطب والدواء، كما لا يمكن للشياطين أن يأخذوا
دور الملائكة. |