|
"يراعات" بقلم كاتب
حسن عبد الله *
كان المفروض أن ابدأ بتعليق على
قصيدة أو قصة أو خاطرة، على الأقل هذا ما تبادر إلى ذهني في اللحظة الأولى
حينما طلب مني الكتابة حول "صفحة يراعات"، لكن كل شيء قد تغير عندما فأجاني
إعلان من هيئة التحرير ينبئني بتخصيص محور الملحق الجديد للأسرى، أي للإبداعات
التي كان منبتها خلف القضبان، تلك التي أضاءت الغياهب المظلمة بما حملته من تحد
وكبرياء وانحياز للوطن والإنسان.
مبادرة رائعة لأن أولاً – من أطلقها هم من الجيل الشاب الذي يتوق للتواصل مع
التجربة الإبداعية والثقافية للمعتقليين الفلسطينيين.
وثانياً كون أن المبادرة بحد ذاتها تشكل لفتة لأولئك الذين يتلظون على جمر
المعاناة في ظل ظروف مأساوية.
ومن الطبيعي أن يشدني الإعلان المذكور شخصياً، فأنا أعتبر نفسي قد تخرجت ككاتب
وصحافي من مدرسة السجن، رغم قسط التعليم الجامعي، والجامعي العالي، الذي حصّلته
بعيدأً عن القضبان والأسلاك الشائكة.
أما فيما يتعلق بصفحة "يراعات" أقول:
إن فكرة هذا المشروع الثقافي الإبداعي المخصص للنشئ وتوفير مناخات الكتابة له،
تؤكد أنه رغم الظواهر السلبية التي أحاطت بنا في السنوات الأخيرة من كل حدب
وصوب، فان هناك من هو قادر على اجتراع المبادرات الإيجابية، ولا أريد القول
السباحة بعكس التيار، حتى لا أكون سوداوياً.
قرأت بامعان عددين من "يراعات" بهدف إعطاء تقييم حتى لو كان مقتضياً لبعض ما
نشر وهما ( 16/10 + 23/10 ) .
ففي العدد الأول نشرت خاطرة بعنوان " ورد الان" لعمر عريقات من القدس، الخاطرة
كتبت بأسلوب رشيق، تناولت ظاهرة الأخبار العاجلة التي تلاحقنا يومياً، حاملة
لنا المواجع والأحزان، إلا أننا ككتاب ومبدعين بشكل خاص وشعب يناضل من أجل
الحياة من باب أن الأمور موشحة بالسواد، بمعنى أن نخلص إلى نتيجة كما خلص
الكاتب، أن أحلامنا "اغتيلت قبل أن نحكم"، فالحلم لا يمكن اغتياله، فهو غير
خاضع لموازين القوى، كما أنه عصي على الطائرات والأسلحة الفتاكة، ودون الحلم
لما تمكن أي شعب في العالم من الانتصار، وأقصد تحويل الحلم وترجمته بالعمل
والفعل إلى واقع، ودون الحلم لا يستطيع شاعر محاصر جائع أن يبدع قصيدة.
أما موضوع "الاستراحة بين اليوم والأمس" لفريق نخيل أريحا، فقد نجح الفريق في
تناول ظاهرة سلبية يعاني منها غالبية المسافرين، لأن أصحاب "VIP " الذين
استثنتهم المقالة من المعاناة هم بطبيعة الحال قلة، أي أنهم الاستثناء، "فريق
النخيل" أطلق صرخة احتجاج مطالباً المساواة بين الناس، بحيث لا تكون امتيازات
للمسؤولين أو اللذين يملكون المال، ويستطيعون شراء الراحة على حساب الآخرين.
" قصة حياتهم" للطفلة دعاء جمال فكرتها واضحة جلية، فالحواجز والمعابر أصبحت
محطات تعذيب وقمع للإنسان الفلسطيني، وحتى الأطفال الذين قرروا السفر من رام
الله إلى بيرزيت في رحلة مدرسية كلن لهم الحاجز بالمرصاد وأفشل خطتهم، وبالتالي
عادوا من حيث أتوا.
نهيل مهنا من غزة كتبت "ثرثرة ليست في الجزء الأخير من الليل" .. ما كتبته لم
يكن مجرد ثرثرة، بل أظهر قدرة كتابية جيدة لكاتبة تستطيع التعبير عن أفكارها
بتسلسل وترابط وجمل سليمة.
وفي "عتاب لوطن" لا أدري لماذا حملت أحالت هنادي التلي كل ما نعانيه للوطن،
وأفرغت وابلاً من العتاب وجههته للوطن، علماً بأن العتاب بما يحمله من مرارة
وأسى يجب أن يوجه للبشر والوطن يا هنادي، لا يزرع الغربة بل أن هناك من يزرعها.
"جسدي لا يزال يقاتل" قصيدة حملت شاعرية واضحة لإبراهيم فريحات, ولو تسنى
لفريحات أن يخفف من مباشرته لأصابت قصيدته قسطاً أكبر من النجاح.
وجاءت "الموجة" لـ "مجدي نايف زغاريد" قوية البداية، إذا استطاع مجدي أن يزاوج
بين الواقع والخيال في نص أدبي، لكن نهايته قفز إليها قفزاً، ولم تكن مقنعة.
و"هوية مهند إحسان الفيتاني" بينت ما يعانيه المواطن الفلسطيني، الذي يحمل
بطاقة الضفة الغربية، حيث يمنع من الوصول إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى،
مع أن آلاف المواطنين يعيشون في قرى تحيط بالقدس، ولا تبعد عنها سوى مسافة
قصيرة، لكنهم يمنعون من الوصول.
مهند أشار إلى تشتت الفلسطينيين وتنوع بطاقاتهم بسبب الظروف المفروضة عليهم،
بين بطاقة زرقاء وحمراء وخضراء ..الخ
الفكرة المطروحة في منتهى الأهمية، وكان يمكن التعبير عنها بشكل أفضل لو أعطاها
الكاتب مزيداً من الجهد والتركيز.
فداء الأعرج من غزة اختارت لموضوعها عنوان "توجهات لونها الحلم" .. تعرضت فداء
لمعاناة طلبة الثانوية العامة، خلال الدراسة والامتحانات، وبعد إعلان النتائج.
وقد نجحت بأسلوب سلس أن تسلط الضوء على القضية التي اختارت الكتابة حولها.
وأخيراً ، آمل أن تكون "زيارتي هذه لصفحة يراعات خفيفة الظل، وأن لا تغضب
ملاحظاتي السريعة أصدقاء الصفحة الذين تناولت نتاجاتهم، فالملاحظات النقدية من
شأنها أن تدفع إلى الأمام، إذا ما وظفت في إطار موضوعي بناء.
________________________
* كاتب وصحافي فلسطيني |