|
حوار لا يملك إلا الصمت
كرمل العباسي
الضجة تملأ المكان ، أوراق تتطاير ، بنات يركضن ، يصرخن ، ومنهن من تخرج خارجا" لترى من التالي أو ماذا يحدث خارجا" ، وعندما يجيء ما يمثل لنا برجال الدرك أو الجيش نصمت ونستعد للحصة الجديدة وما يلبث أن يدخل ، حتى نقف تبجيلا" وتقديسا" لمكانته واحتراما" منا له ، ثم نجلس ليبدأ العمل الروتيني فنحن آلات كاتبه وهو يتكلم كالمذياع القديم ويردد نفس الكلمات في كل فصل ويكرر ذلك وذاك بملل شديد دون الشعور بأي شئ سوى الرغبة في انتهاء الحصة ...؟؟؟ نعم ، هذا هو أحد المشاهد الروتينية التي أشاهدها في المدرسة كل يوم وتتكرر ست مرات تقريبا" فعند انتهاء أي حصة وخروج الأستاذ من الفصل نبدأ بالضوضاء وكأن انتصارا" عظيما" قد حدث نعم فإن الحصة انتهت، وما نلبث أن نرجع إلى ذلك السجن مرة أخرى عندما تلمح بنت ما أستاذ المادة التالية يقترب من الفصل فيتكرر المشهد ثانية وثالثة حتى انتهاء اليوم الدراسي . ولكن .....اليوم هناك شيء غريب شئ ليس من العادة أن يحصل ، فقد دخل الأستاذ إلى الحصة ولم يهتم بالموضوع المدون على السبورة ولم يسأل عن الواجب ولم يبدأ بالشرح وبدت علامات العجب تملأ وجوه البنات وانقشع هذا العجب عندما أغلق الأستاذ الكتاب المفتوح أمامه قائلا" : لن أعطيكن الدرس اليوم ، أريد أن أحدثكن عن شئ فهناك وقت كاف لإنهاء المنهاج . وعندما أنهى هذه الجملة انفرجت وجوه الطالبات بالسعادة والفرح فإننا لن نسمع ذلك المذياع الذي يردد الجمل في كل مرة ونحن نكتبها من ورائه دون أن نفهم ونطبق شئ . وبدأ الأستاذ بالحديث عن منهج الثانوية العامة ومدى ارتباط منهاجنا به وأخذ يعطينا فكرة مبسطة عن موضوع كل باب في منهج مادة الأحياء للثانوية العامة حتى نتهيأ ونحاول استيعابها ، وبعد ذلك دار الحديث عن عدم حب البنات للمادة وعن صعوبة استيعابها مع أنها مادة حيوية وتعالج البيئة المحيطة بنا ومن السهل تخيل ما يحدث بها .فاستأذنت طالبة بالحديث وقالت له : ألم تسأل يا أستاذ لماذا لا تحب الطالبات المادة وتجد صعوبة في استيعابها واللجوء إلى حفظها كمادة بحتة .؟ ثم أردفت قائلة إننا نقرأ ما في الكتاب ونأتي إلى المدرسة ليلخص الأستاذ لنا ما في الكتاب فنكتبه بالكراسات لنذهب ونحفظه بالبيت ، وإن هذا سبب رئيسي ونتيجة طبيعية أن نلجأ للحفظ دون الاستيعاب ، ناهيك عن عدم وجود مختبر حديث يمكن تشريح بعض الحيوانات لنعرف تلك المعلومات على الطبيعة وتثبت في ذهننا ، فكيف تتخيل أن نفهم ما شكل الكلية والرئتين والقلب وآلية عملهما دون مشاهدتهما ومحاولة تشريحهما ؟! فإننا قد رأيناها في الكتاب وحفظنا أن للقلب بطينين وأذينين ؟ والرئتان تنقسمان إلى ثلاث غرف في اليمين وغرفتين في اليسار وإلخ….. ولكن دون مشاهدة! مجرد نحفظ للحفظ فقط , و أستأذنت طالبة أخرى وقالت : إن هناك مشكلة أخرى , بأن هناك أساتذة ومعلمات يأتون لينهون المنهج بأية طريقة دون محاولة في تقريب المادة لنا أو أن تحببنا بها ولهذا أصبحنا نأتي للمدرسة لنأخذ تلك التلخيصات ونعمل لمدة خمس ساعات تقريبا" كآلات كاتبة ثم نذهب ونحفظها في البيت لتقديم الامتحانات وكسب العلامات فقط فإنني أدرك تماما" بأن هناك طالبات قد نسين تماماً منهج الفصل الأول , أو منهج السنة الماضية , لأنهن درسن للامتحان فقط وحفظن المنهج حفظ. ابتسم الأستاذ وقال : إن هذا جميل جدا" وحقيقي ولكن الأستاذ أيضا" مضغوط وعليه تحمل أعباء كثيرة تؤدي إلى تصرفه بهذه الطريقة فإن المنهاج ضخم ومليء ويجب إنهاؤه في وقت معين غير أنه مطالب بعمل خمسة امتحانات في كل فصل للطلاب ولا يوجد هناك وقت كاف ، كما أنه لا تتوفر له أي أدوات ومواد ليشرح عليها ويسهل المادة للطالب من خلالها , وقد تحدثنا بهذه الأمور كثيرا" لأنها تسبب ضغطا كبيرا على الأستاذ والطالب معا" ولكن ......!!! ودار الحديث بين الطالبات والأستاذ بين الاتفاق والاختلاف لينتهي الأمر بنا لنكتشف أن ذلك المذياع لم يوجد بنفسه بل أضطر على الوجود لنجعل من التعليم مجرد تلقين ولنجعل طلابنا مستمعين دون أي إبداع أو محاولة نبوغ موهبة معينة وكل هذا بحجة قلة الإمكانات ؟؟؟ أي أننا ضحية كما الأستاذ والمعلمة ضحايا ولكن السؤال نحن ضحايا من ؟؟ أقلة الإمكانيات ؟ أم ضحايا الطرق المتخلفة في التعليم ؟ أم ضحايا الاستعمار الذي يريدنا أن نبقى مجرد مذياع قديم وآلة كاتبة !!! وعذرا" على مضيعة وقتكم ولكن حوارنا يرجو أن يجد بينكم من يحترمه ويستمع إليه ويفكر فيه ولو للحظة ما… لأننا في واقعنا لا نملك إلا الصمت . |