|
عن رام الله والتاريخ
داليا طه لم يكن اجتياح رام الله كغيرها من مدن الضفة مشهدا خارجا عن طقس الإبادة و الرغبة في إثبات ذات منحها الضعف المسوق على شاشات التلفزيون كقوة عظمى دافعا أكبر لتوطين ذاكرة بربرية وأدت الحقيقة لتصبح حياتها منهجا معاصرا لحياة أخرى كانت قبل و قبل و قبل .. وقبل الآن كان (الآن آخر) يحمل وعدا من إله نبيل لينقذ شعبه التائه في البرية فيؤسس أسطورة شعب بلا أرض ويبني عليها كل أسطورة أحقية وجوده على هذه الأرض(تبناها لاحقا وجود استعماري آخر له نفس قصة شعب الله المختار في كنعان أخرى يهبها أيضا إله نبيل آخر لشعب يصطفيه من أعراق الأرض و يعليه فوقها) ، ولا يكتفي المنطق الديني الصهيوني بأسطورة أرض الميعاد بل تتجاوزها لتعلن أن الشعب اليهودي أفضل الأنواع العرقية و أحبها لله و تعتبر كل من على سطح الأرض دونها ،لا يستحق شيئا من صفات الإنسانية التي تغدقها على أبناء أمتها. هذه الفكرة الدينية في ظاهرها و السياسية في جوهرها تعطي من وجهة نظر إسرائيلية الحق كله للقيام بأي عملية تنزع الوجود عن هذا الشعب اللاموجود أصلا ، المعادلة غير دقيقة إلا أن الرغبة الصهيونية الهائلة في ارضاخ التاريخ لتاريخ من صنعهم يستطيع إزالة جميع العقبات من ناحيتهم لاستصلاح أي رأي سيفيد وجودهم أو يدعم وجودهم بحقائق دينية لا تقبل المناقشة بوصفها دينيا و تاريخيا تابعة لعمليات استكشافية جاهد أصحابها ذوو الضمائر الطيبة أن تكون موضوعية كل الموضوعية وبالتالي لا يستطيع أي عاقل أن يفكر و لو للحظة أن هذا مجرد ترهات . والآن بينما الشعب الإسرائيلي الذي يكتشف أنه قد (انضحك عليه) و الذي يوقظه كل يوم مشهد دمهم الثمين يهدر بلا سبب فقط لأنهم يريدون العيش بسلام عن طريق شاب ملتح ينعتونه و بلهجة غاضبة تدل على مدى الغدر بهم (و كيف أننا الفلسطينيين نعض اليد الطيبة) بإرهابي ، يحتكر الألم و المعاناة على شاشات التلفاز الأوروبية والغربية،تتسلى شاشاتنا العربية بإذاعة أخبار الراقصات و المغنيين و آخر ما توصل له الفقهاء من جواز رؤية الخاطبة لخطيبها !! لا يفهم العرب المنطق السوليبسيسمي الذي تود به السلطات الإسرائيلية احتكار رضا الثالوث المقدس (الإله النبيل ،الولايات المتحدة ، الشعب الإسرائيلي) بما أنه الهدف الأسمى بالنسبة أيضا لقادتنا ،ولا يودون ذلك لأن أي تفكير خارج حدود عالمهم الضيق المتعلق بشرب قهوة مع فلان و افتتاح مصنع ملابس داخلية أو سماع الشعوب تردد بكثير من الحب بالدم بالروح نفديك يا … سيعرض كل فوضاهم المنظمة بدقة لعشوائية جديدة قد لا يتحملها قلبهم المرهق بالانتصارات/الهزائم لا فرق و ما يحدث الآن ليس سوى صراع وجود صراخ على الذاكرة و المكان و التاريخ و ..الخ والصراع الذي لا ينتهي بالهزيمة لا توجد أي حتمية تستطيع إدخاله في تعبير النصر فما زلنا نحن منتصرين كلما التفت إسرائيلي ليرى إذا كان الذي خلفه شاب يطوق خصره متفجرات!! وكلما أوقف الجنود امرأة (لمجرد أنها لمست حقيبتها بدون قصد)فتفرغ محتوياتها أمامهم لا تبعد أقل من خمسة مترا .. وكلما قطعت نقطة تفتيش أو تسلية أو ضعف لا تغير الأسماء الكثيرة المعنى شارعا لنكتشف أننا بفرح لم نطأ هذه الأرض من قبل بأقدامنا و بحزن أن الاحتلال من أجبرنا على ذلك .. لا تتبع أيديولوجيا الاستعمار منهجا ضد المستَعمَرين فقط بل تلجأ إلى تجريد المحتل من إنسانيته لتتفق الغاية مع الأداة فبقاء المحتل شرط أساسي لدوام الاحتلال وهذه النقطة بالذات حين يضاف إليها مسألة كونها أفضل المواقع للعمليات النوعية التي لا تترصد المدنيين البرابرة تصبح هاجسا يقلب رضى الشارع الإسرائيلي ليكتشف أنه (انضحك عليه) و أن هناك آخر ينام تحت السماء ذاتها أو يدب على الأرض ذاتها ولا يبعد عن البعض سوى أمتار قليلة يتوجب العيش معه بسلام (وقد يتغير الرأي بسهولة إلى الضفة الأخرى(الحرب)) فالمزاج الإسرائيلي المتعود أن يقضي وقته في الملاهي و السهر و المطاعم أصبح يرى أن الحياة لا تطاق و أن وعود الأمن أصبحت سرابا ما لم يرض عنها الآخر الفلسطيني أو الإرهابي .. واجتياح رام الله مع بقية مدن الضفة غير بسهولة معطيات التأييد الإسرائيلي لرئيس وزرائهم الذي كما يبدو من الإستطلاع نادمين فعلا على انتخابهم إياه و ربما حتى إلى هجرتهم إلى أرض اللبن و العسل ، فالخوف الإسرائيلي الكامن فيهم من لحظة قدومهم حتى و إن صدقوا أكاذيبهم حقا لا يلبث أن يظهر كلما نزف دمهم و كلما أخذ الله بعمر أحدهم إلى الهاوية حتى و إن كان طيبا يستحق مديد الحياة ! حلمهم الباهت لا يلبث أن يقلقه عملية مشاكس زعزع هدوءهم و حياتهم التي أصبحوا واثقين الآن أكثر أنها مرتبطة بشكل لم يسبق له مثيل بحياتنا بشكل لم يوجد في أي استعمار آخر . ولم يبق سوى أن يكون رضى "إلههم النبيل" متمثلا في إرساله زيني رسول سلام و مفاوضات !! |