|
ولدت شهيدة ... للوطن يثينة حمدان ربما على كل مواطن " فلسطيني" أن يكتب وصيته ...و يوثق كلماته الأخيرة ... و يقدم تحياته إلى كل المعزين مقدماً ، و يكون مع أهله في وقت محنتهم و مصيبتهم لفقدانه ... وصية الفلسطيني ليست لمن يعرف الصمت بل لمن يعرف الصراخ ويرى الحق ... إنها للشهيد . من أين أبدأ ، و كيف ...؟ لا أعرف و ماذا سأقول لوالدي في وصية لطفلة ولدت شهيدةً .... هل أقول لهم : أرجوكم لا تحزنوا علي .. و لا تذرفوا دموعكم الغالية علي .. إلا أنني سأكون قاسية إذا قلت ذلك .. لكنني سأحرسهم .. فيقال أن الروح إذا إنفصلت عن الجسد .. تبقى حول أحبابها و تحرسهم بعيونها الحرة .. أبي..أمي .. سأحرسكم و لن أغادركم فلا تقلقوا .. أرجوكم ...!! و سأقول لهم : أغلقوا باب غرفتي بالإسمنت و لا تفتحوها .. و إنسوني .. إنسوا و لا تقلقوا. إلا أنني أعلم أنهم لن يفعلوا شيئاً من هذا ، لن ينسوا جنيناً ولد ميتا على حاجز لم يرحم صراخ أمي و ألم الولادة ... ولن ينسواغرفتي التي أعدوها بشغف لإستقبالي ... ولا التي علقوها لتزين الجدران ، و لا السرير الصغير الذي إبتاعوه من أجلي ، أما تلك الوسادة البيضاء التي تعلو السرير فكلما وقعت عيني أمي عليها ، أحنت رأسها و رفعت الوسادة إلى حضنها الدافئ جداً ، ثم تعيد الوسادة مكانها ، وتتخيلني طفلة تصرخ و تبكي أو تبتسم ، و تحرك ساقيها الصغيرتين لترفص السرير ، إشتياقاً إلى حضن أمي و أبي . على هذا السرير حلُمت امي أنني أتعلم لفظ " ماما ..بابا" ، و عاشت شهوراً تحلم و ترسم مستقبلي ،و تتخيل شكلي و لوني فتتساءل :( هل ستكون ابنتي بيضاء مثلي أم حنطية مثل أبيها ، شقية أم هادئة ، قمراً أم شمس ...) . هذه الأفكار التي تهد جبلاً .... أمي لا تفكري هكذا أرجوك ، أمي لم أحببتني كثيراً قبل أن آتي ..لم لم ؟! لم أيتها الرقيقة و الجميلة القوية الأم ، هذه الغرفة التي ملئتني بها ، و تفقدتها كل يوم ، كأنك تتفقدين طفلتك التي لم تأت . و عندما فتحت باب الغرفة أول مرة قلت لأبي : " هذه ستكون غرفة الأولاد " ، و تشاجرت مع أبي : " بنت ، ولد بنت ولد..." دون أن تدري أن لا بنت و لا ولد . كيف يمحوا هذا الحاجز الذي قتلني و قتل قلوب الأمهات والآباء..؟! كل هذه الصور و الأحلام .. و كيف لا أكتب وصيتي ولا أقتل بكلماتي هذا الحاجز ؟ ، و كل الفلسطينيين مشروع شهادة و مستقبل هو الجهاد حتى الموت، لكن... ماذا تنفع الوصية ، فإذا قلت : " أسفة ماما" ستُجن و تفقد صوابها ... لا لن أكلمها ، لن أقول لها شيئاً فأزيد من آلامها و ذكرياتها التي صنعتها معي دون أن أحظى بها و تحظى بي.. لقد عشت في قلب أمي و أخذت منها دون أن تأخذ مني سوى الأحلام و الوعود ، آه يا أمي لو عرفت بأنني مقبلة على الشهادة قبل أن يقبل النور علي ، لفعلت و كتبت كل ما يواسيك و يخفف عنك فأقول لك" ماما" و كل ما تمنيت سماعه . لكنني أكيدة أن الوطن سيقول لكما يا والداي كل شيء أنظروا و إسمعوا : الوطن أجمل مني الوطن و إن كان لا يُعرف .. قطرات الندى ، التي تعربش على ورقات الشجر ..أول الصباح و رائحة الورود و الأزهار ، قبل أن يجرؤ أحد على تنشقها .. هو القبلة التي يطبعها طفلك "عصفور الجنة" على خدك في الصباح والمساء... الوطن هو ألم الأم على كل حاجز و في كل جنازة .. إنه غربتنا عن بعضنا .. أمي ، حنانك ، و عبيرك ، و رقتك و كل جمال سكبه الله فيك ...هو وطن، أبي ، قوتك و عطفك و صبرك و أبوتك ..وطن. إنه الكلمة التي نطقها الطفل قبل أن يتعلم النطق ... الوطن أنا يا أمي و يا أبي.. احضنوه ،فكأنكم حضنتوني .. وطننا لا أعرف مثيلاً له في العالم تقسو الأيام عليه...هكذا؟! لكنه يضمد جراحه في لحظة و يستقبل الأخرى في ذات اللحظة . أرجوكما ..كونا وطناً .. كونا |