|
فتاة وعصفورتها عبر نسيان الدهر
آية فياله
هناك وفي قديم الزمان كانت تسكن بنت جميلة مع أمها في كوخ صغير قرب شاطئ البحر ، وكانت فتاة جميلة جداً مهذبة تحب الناس . هادئة تتفهم الأمور وتطيع أمها، وكان الفتاة تملك عصفورة صغيرة تطير في أفق بعيد وتبعد تراقص أمواج البحر، وكأنها تصنع من شعرها جدائل الزمن الطويلة ، ترفرف على بيارات البرتقال والليمون. تنشر أغنية الحرية في دنيا العبودية . تلاعب أطفال المدارس ، تذهب وتجيء عبر سنين الغربة ، ارتاحت لها الفتاة فكانت تناشدها وتحاكيها وتسامرها، لكن العصفورة لا تأبه إلا بزقزقة تعبر فؤادها تضيء ظلمة صدرها وتجلي هموم قلبها فرحا. كانت تلك الزقزقة أجمل عندما تحاكيها مع أنها لا تتحدث فتحسها معها وفي حياتها، ذات مساء جلست الفتاة بقرب عصفورتها كالعادة تريد أن تتحدث إليها . تكلمت كثيراً بكلمات بعضها مفهومة وأخرى مبهمة . فوجئت الفتاة بأن عصفورتها ساكتة لا تزقزق لحنها الذي اعتادت عليه صديقتها . حاولت أن تجعلها تتكلم أو تتحرك ولكن دون جدوى. عندها ذرفت الفتاة دمعة من عينيها. لا أعرف كم من الوقت مضى حتى مشت على وجهها وسقطت. سالت دمعتها ووقعت على عصفورتها فأطلقت صوتا بسيطا جميلاً وارتعشت… توقفت ، ماتت. شرعت الفتاة بالبكاء للحظات ثم فكرت مخاطبتها ميتة: لماذا ؟ متى؟ لماذا توقفت ، احتاجك، أنهضي ؟ ماذا فعلت بحياتك؟ أرحييني! كانت زقزقة جناحيك الصغيرين تبعث في قلبي نسمات رقيقة تخفف من وطأة حيرتي ... أين سأدفنك؟ في التراب. أهذا هو مكانك بعد تلك الحياة الطاهرة ؟ أهي الأرض تعود لتسرقك مني ؟ أم سأدفنك في صفحات الزمن الذي جعل منك كتابا مفتوحا ألقي عيني عليه لأشبع عطشي للقراءة . هكذا أخذ الزمن من الفتاة عصفورتها وسرقها كما يسرق من الطفل الدمية . لا أدري أهي سرقة أم براءة ! وذهبت عصفورتها عبر نسمات الدهر ولم ترجع. أما الفتاة فبقيت تجابه الزمن، وتبحث عن قوة إلهية تجعلها تنتقم منه، فقد سرق منها كتابا طالما قرأته ، تكلمت إليه وأحبته. |