|
الخرقة العشرون باسمة التكروري " الكتابة مسألة غامضة، لا حل لها، هكذا تمسك القلم فلا تكتب إلا نفسك " ، أحاول تقليص اللون من ذاكرتي كي أقدر على صبغ نفسي بالحروف . يلاحقني شبح الشفافية والانعدام عن الشاشة، وأجتث من نفسي الأمل كي لا يضيعني ." أنا لا أنا" وأناي تتكهرب داخل العمق الذي سافر بها قبل المعرفة.ماذا أعرف عن نفسي سوى أنها تخاف البياض، تخاف فيه غموض الاستسلام فيه، غموض الكلام المخيف الذي لم يكتب عليه، لم يرسم، ولم يعرف أي شيطان مداه. للنفس ما لها من هرب إلى مذاق الوحدة، العزلة أو السرحان. ونفسي مصفاة عائمة، كل الثقوب فيها ولا تدخلها ماء راحة أبدا! هكذا أنتثر فوق المساحات لا ما أختص فيه. يرعبني الصمت في غرف الروح، ألاحق الأصوات الثملة، أمسك باللاشيء منها، والصمت/ الفجيعة أحمق من أن أكسره، ألف مذياع، وألف صوت أصطنعه علني أهزم وحشا انعزاليا عما حولي. لا شيء، والصوت متراس لئيم، يخذل فيّ حاجتي إليه، يخذل غربتي ويعيدني إلى اللوحة، أصرخ "..لن أرسم ذرائعا، لن أفعل !" فلا أسمع ، أتخبط بين اصطكاك أسناني ووجع اللسان المتمزق بينها . أعود إلى القلم ، أتأمل حركته العادية فوق الأسطر، وألاحق ما يكتب بنهم لم أعرفه . " من منا الكاتب ؟" ويحترق السؤال، فلا وقت للإجابة عليه ما دام القلم يجري، والوجع يجري، " لماذا يسكنني النثر ؟ وتسكنني القصص؟ أخاف الشعر، أخاف الكلمات المنعجنة داخلي، وأخاف قلمي هذا، ألاحقه ، ويلاحق عيني بكاء لا أعرف من أوصله إلى صنابير الدمع في عيني، تكويني الجسدي يقلقني ، وأحوال الدمع أيضا، ويقلقني أني أكتب حين تهجم الكلمات علي " متى أغادر هذا الوجع ، فيغادرني قلقي ؟" ..
سأغيب عن الوعي الذي لم أحضره أبدا، سأغيب عن ذوات الآخرين لأصير إلى ذاتي، لأفيق لها. وأفيق إلى التكوين المفقود. " أيها الغريب ذو العينين السماويتين، أخافني ذاته اللون قبل عشرين عاما، وأنا أحلق في سماءيك اليوم دون أن أغوص فيهما،للبحر لون السماء، ولون عينيك سماء بحرية اللون. يكفيك الهرب، ويكفيني أن أبعد عيني لأسكن جسدا خربشته صورتك". الآن أغني لحنا بكائيا، نكديا ، لا شيء سوى أن اللحن يخرج من سماعة المذياع إلى يميني. هذه أناي التي أهرب منها ، ويهرب غريبي أيضا، بينما يلتصق بها الآخرون، كأنما خلقت مشاعا، أو مملكة لكل عادي يريد استكمال همه هما فوقه. بأي لسان أتحدث ؟ أوعزت لندى _بطلة روايتي الأولى / لما رحلت البداية _أن لساني كان ملكا لها،فبكت أمامي ، وألقت على صدري رأسا ثقيلا، وبكيت أنا ، تركتني فجأة، عادت إلى الورق، رامقة إياي كأنما استحقرت أن تبكي على صدري، وأنا من حملها كل أسى الكون.فاجأني قهر في عينيها ، رددته إلى أحداث حياتها التي صففت دون أن أعي تلك الاستثنائية التي ركبت شخصيتها عليها. رأيت في عينيها دعوة، ويدين مرفوعتين إلى السماء " اللهم اجعل من استثنائيتها التي ألبستني ، نقمة عمياء لا انتهاء لها عليها!"،ووجدتني أخبئ الرواية بعد أن أغلقت صفحاتها على ذراعي ندى المرفوعتين، تحت كل الكتب، في خزانة لم تعرف من الترتيب في حياتي أو حياتها ما عرفت من الفوضى . ويممت حنقي شطر عشريني،صفقت أبواب التذكر ، واعتنقت تاريخ اسمي على بطاقة الهوية/العدوة،هناك، في تلك المساحة من مسطحات الوقت، حيث فتحت عيني بعيني أبي، وضحكت،فلفتني الممرضة باسمي الأبيض،دفعتني لصدر أبي ، ناداه ثلاثا ، حتى حفظته، عن ظهر عمر، وصرت أنا .. تصطف التجربة أمام جفني الثقيلين، وتفتح ما استطاعت. هيهات يا تجربة، في كل وقت، فسحة للغلط وأحمل على كتفيّ كل الدروس، أحمل، عشرين عام من تعلم، ويصيح كتفي : شدي الرحال نحو المزيد ، هل من مزيد ؟ هذا الذي هاتفني، دسم صوته كالزبدة، ينحل على البعد القاري فيجمده، ليصير الصوت الجسر، يصير لا مسافة .ضحك الذي هاتفني، وفرحت لضحكه. مع أنني لم أرد على آخر رسالة وصلت بريدي الإلكتروني منه العام الذي مضى أو قضى. إلا أني فرحت، فالصوت شيء آخر ،ينهمر هكذا على اللوحة، يكسح البياض، ليفاخر بكرويته اللامرئية، ليباشر سكب نفسه في الفرح. والصوت متراس لئيم ، أتوسل الصوت فيّ كي يخرج من مهرجان الحمق، فيزيد انغماسا .. سأعد دراسة هوسية حول الصوت، وسأزرع هلوستي في أحشاء الدراسة،لن أكتبها ! سأصرخها فقط. ولأجن إن كان الصوت جنونا، لأجن حتى يكف الناس عن الجنون بي، سأجن بنفسي، وسأتنرجس ما أمكن. ما أجمل أن أسكن واحات نفسي، ظلماتها، جهنمها. وما أجمل أن أحرق أناي و أحترق عليها. ما أجمل أن تقلع ذاكرتي في حاضري وينغمس اللون والصوت في مائع لا انفكاك منه، ولا انتهاء لقيده. حتى أتحرر من سطوة النص، حتى اهزم سادية الصوت علي.. فليقف البشر جميعا، وليغنوا، لأتذوق طعم الصوت الكلي، لي أربعة أصدقاء يغنون، ومليون لا يغنون، وأحبهم جميعا. لكن يقتلني الصوت، يذبح فيّ جوعي إلى اللحن. ماذا لو اصطفت كل المخلوقات في غناء كالذي اقترحته؟ أريد الصخب كله، أريد سماع بكاء كل الحناجر، كلها،كلها، فأذوب ويذوب صراخي النشاز/اللحن نفسه .. وأعود بعد كل عام من ما حملت، أقرر أن أحذو حذو هذا الصوت الصغير الذي أربي داخلي، وأغني دون الاستماع إلى أحد .. كل له غناؤه فالتفتوا إلى ألحانكم، واتركوني إلى غنائي !! لربما تحول العمر قيثارة بعد الحلم .. |