|
بيتي أكثر دفئاً لما الطرايرة وقفت بصعوبة على قدميها، على صخرة سوداء، وحيدة متأملة باكية، تحدق في البعيد، إلى ما وراء الأفق، تبحث عن منزلها، تتأمل وجوه أطفالها الباردة، فيما جلس أكبرهم قاسم، منكمشاً على نفسه، واضعاً رأسه بين يديه، محاولاً محاربة دموعه وتدفئة جسده الضعيف المنهك ولكن شعره المبلل وملابسه المهترئة حالت دون شعوره بالدفء. مد يده المرتعشة وأخذ يقلب الحجارة التي أحاطت به من كل ناحية يبحث بينها عن أشيائه وذكرياته. رفع رأسه ونظر حوله، فتح عينيه المتعبتين، وحاول استيعاب ما حدث. تذكر الليلة الماضية، تذكر إخوته وكانون الحطب، تذكر والده … والده! أين هو الآن، وماذا حدث له؟ ولماذا لم يأخذه معه؟ لم يعتد على ذلك، كان والده يأخذه معه أينما ذهب، فلماذا تركه هذه المرة؟ صورة واحدة هي تلك التي طبعت في مخيلته الليلة الماضية بكل أحداثها، كان الجميع في حالة فزع وخوف، أمه المجهدة حاولت إخراج إخوته الذين يبحثون عن بقايا حاجاتهم وملابس تقيهم البرد القارص، أما والده، فقد كان كما عهده دائماً، هادئاً، صارماً، وتعبير الحكمة والإيمان على قسمات وجهه، جلس على كرسيه القديم حيث اعتاد أن يجلس عندما ينتابه شعور بالخوف من المجهول ممزوج بالإرادة والعزم، بينما هدير الجرافات يملأ المكان ونور القصف يشع بين اللحظة والأخرى ليضيء الغرفة التي قطع عنها التيار لعدة ساعات، فتظهر صورة لرجل فلسطيني فقير ومتعب، يحمل بين أصابعه الراجفة برداً سيجارة يشكل دخانها سحابة قلق حول عينيه، وعندما نادى قاسم على والده ليخرج أجابه بحزم أنه لن يفعل، لن يخرج ولن يتحرك، لن يترك البيت الذي بناه حجراً حجراً، لن ينسى الأمل الذي رسم به عالمه صورة صورة، ولن يتخلى عن العائلة التي أحبها فردا فردا. وعندما رفع نظره ليقع على ابنه الحبيب قاسم، فتتحول صرخات الغضب والإصرار إلى لهجة الوالد الحنون الرائع، قال:" ما تنسى يابا تبني بيتك عَ هالأرض، وتحط أول حجر في هالمحل، أما أنا فتعبت، وما راح أترك هالبيت لأنه ما راح تكون الخيمة أدفى منه". حاول قاسم الوقوف على قدميه الباردتين، وسار مبتعداً عن أمه، محاولاً كل جهده المحافظة على اتزان جسده وحماية نفسه من الانزلاق. كيف سقطت كل هذه المباني؟… الليلة السابقة كان يصرخ من النافذة منادياً على صديقه سعد، وهذه الليلة، لا توجد نافذة، ولا يوجد سعد وعندما فشل قاسم في حماية نفسه من الوقوع، وانزلق على الأرض لينزل الدم من كوعه، رآه ملقىً، بارداً، ينتظر يد أحدهم، بحث عنه طويلاً قبل ساعات، وعندما فقد الأمل في ايجاده، وقرر عدم الاستمرار في البحث عنه، استطاع العثور عليه، كان قلمه الذي أهداه إياه والده في أول يوم من أيام دراسته، ملقىً هناك، ركض نحوه، حمله وضمه إلى صدره، ليسمعه نبضات قلبه المتألم التي تثبت حرصه عليه وحبه لأبيه. أزاح الحجارة من حوله إذ كان موقناً أنه ترك دفتر الجغرافية وخريطة فلسطين على مقربة من القلم، حمل الحجر تلو الآخر، من يديه سالت الدماء، وبكفيه المصرين أزاح الصخور، ليجد دفتر الجغرافية إلا أنه لم يجد الخريطة، وهنا، بكى، بكاءً حاراً، مخرجا من جوفه ألما صارخا، وعذابا قاهرا … عثر على كتاب اللغة العربية، قلب صفحاته الممزقة المبتلة، ومع كل صفحة تذكر يوما مضى، مع كل كلمة تذكر فرحا انتهى، ومع كل حرف تذكر وطنا ما زال يعاني، وعندما ألقاه على الأرض وأعاده إلى حيث التقطه ليترك الرياح القارصة تعبث بأوراقه، لم يتذكر سوى مجدي، ذي التسعة عشر ربيعا، الذي حاول عبثا مساعدته على حفظ قصيدة عن الوحدة واللغة والمبادئ العربية التي يشعر في هذه اللحظة بالذات أن تجسدها وهم خادع. تابع بأصابعه المتألمة البحث عن خريطته، عن كتبه ودفاتره، فلم يخرج منها إلا القليل، ليظل ما بقي تحت الأنقاض شاهدا على معاناة قاسم. تحرك ببطء وبألم، نظر حوله مجددا إلى آثار الظلم والدمار، وأخذ يعيد في مخيلته مناظر سابقة، إذ هنا كان منزله، وفي المكان الذي يقف عليه، جلس والده، متحديا الرصاص وهدير الجرافات وقصف العدو، وهناك كان بيت سعد، وعلى بعد بضعة أمتار كانت الغرفة التي سكنها مجدي مع أمه العجوز، وفي الشارع الخلفي كان دكان أبي أحمد، وتحت قدميه كتاب اللغة العربية، وفي يده قلم جريح إلا أنه يكتب، ودفتر الجغرافية، وسار على أنقاض الطريق المؤدي إلى مدرسته، مصرا على الطلب من المعلم تعليمه رسم خريطة فلسطين ليلونها بألوان العلم ويعين عليها أول حجر لبناء بيته من جديد. وما تزال أمه واقفة بصعوبة على قدميها، وقطرات المطر المنهمر تضفي عليها ملامح العزة والكرامة واقفة على صخرة سوداء، وحيدة متألمة باكية، تحدق في البعيد، إلى ما وراء الأفق، تبحث عن زوجها، تبحث عن منزلها، تبحث عن رفح، تنتظر من العالم أكثر من عبارات الأسف … |