ومضى…

رزان شوابكة/15سنة
بيرزيت

للغة الصمت صمت آخر، حين تقوم الذاكرة باستحضار (زمكان) العام الذي ولّى، وتلبُس العقل لشخصيات وأحداث ذلك العام. كنا هناك وهانحن هنا، ما زلنا نحصي عدد الدرجات المتبقية للوصول…إلى ماذا؟ لا  ندري، كلٌ منّا له عالمه وفضاؤه، والفناء يتبع الفناء ليبقى رماداً  تنمو فيه أيام العام الجديد الذي يحاول مداعبتنا بالبكاء والفرح بالحزن والمرح.

فهل تستطيع أحلامنا اختلاق واقع جديد، واستيعاب لغة الكون لإدراك الوجود والحياة المنبعثة فينا؟!!

الحياة لا تبدأ داخل الرحم، والولادة لا تتم عند الاكتمال، ولا الموت عند النهاية، إنها الحياة التي لا تنتهي من الدواليب، التي تسرق من مياه الجداول مياهاً لتستمر وتعيش، فهل سرق دولابك شيء من مياه ذلك العام المنصرم؟.

في استبيانة تم توزيعها على عدد من طلبة جامعة بيرزيت، طرح هذا السؤال كبداية لفتح ذاكرتهم بما فيها من خيبات أمل ولحظات الفرح والسرور، الكثير من الأشياء تمكنوا من البوح بها وأخرى بقيت صامتة داخل وجدانهم.

تم وصف هذا العام بالعام المؤلم والمحزن، هذا ما اتضح من أغلب  الأجوبة التي عبرت بالشكل الأساسي عن الحالة الخارجية التي عانت منها الناس ولا تزال تعاني، بعيداً عن المشاعر الداخلية والخاصة التي تمكن البعض من التعبير عنها والآخر فضل الكتمان وهذا ما سيتضح بعد قليل.

هل كان عاماً مفاجئاً بالنسبة لك؟

ربما..نوعاً ما، لا أعتقد..فقد كان شيئاً متوقع الحدوث، نعم…

كل هذا الأجوبة بالرغم من تفاوتها وتعاكسها إلا إنها في النهاية تصب في القدر نفسه، حيث أن عام 2001 لم يكن عاماً عادياً فحسب نضيفه على سنين عمرنا التي مضت، إنه عاماً سجل نفسه في صفحات الكثيرين منا.

هل واجهتك عوائق منعتك من ممارسة حياتك بشكلها الطبيعي لعام 2001؟

كانت نعم هي الإجابة الوحيدة والموحدة على هذا السؤال بالتحديد، كيف لا وجميع الطلبة عانت من الحواجز العسكرية وتعطيل الجامعات والبعد عن الأهل، ثلاثة أسباب رئيسية ومحورية، كافية لأن تعيق حياة كاملة لإنسان، ناهيك عن الأجواء والنتائج الناجمة عن كل إجابة من ملل والانفصال عن كل شيء، واختلاط كل شيء ببعضه..

إننا لم نرسم هذه الحالة التشاؤمية وإنما هي التي تفرض نفسها على لوحاتنا من تلقاء نفسها دون أي أدنى احترام، فهل لنا أن نرى بعض التفاؤل والأمل لهذا العام، وهل تعتبر رغبتك في السلام كافية لأن ترسم ملامح جديدة لعام 2002؟

في هذا السؤال بالتحديد تعادلت إجابات النفي والإيجاب، ويدل هذا على وجود نوعين من الطلبة، طلبة من يصنعون الحياة وطلبة من تصنعهم الحياة، ومنهم من يملك الإرادة التي هي كفيلة بأن تجعله يتجاوز هذه المرحلة وخروج من دائرة الصراع مع الذات على عكس القسم الآخر من الطلبة الذين يرضخون لهذه الحالة التي أصابتهم من مرض الاستسلام.

نعم، توجد حياة داخلية فينا وخارجية تعوم حولنا ونحيا فيها، والكل يسبح في دوامة الآخر، وإن لم نستطع إيجاد أساليب النجاة فلنحافظ على وجودنا ونحجز لأنفسنا مكاناً فيها.

هل حال عام 2001 بأحداثه المتفاوتة دون تحقيق أحلامك وطموحاتك التي سعيت لتحقيقها في تلك الفترة الزمنية القصيرة/ الطويلة؟

لقد كان لكل منهم أسبابه الخاصة، والكثير منهم أجاب بالنفي وقال أنه تمكن من تحقيق شيء لا بأس به مم كان يطمح إليه وهذا في حد ذاته إنجاز، والقليل منهم تمكن من تحقيق جزء كبير خلال تلك الفترة، في حين أجاب القسم المتبقي منهم بعدم قدرته على تحقيق أي شيء. ومن هؤلاء الطلبة من هم خريجون جدد، عبروا عن حاجتهم إلى عمل وقد منعتهم حالة عدم الاستقرار من إيجاد ذلك العمل الذي يريدونه أو بالأحرى المتوفر في زماننا هذا، وشعورهم بتلك الحالة كفيل بأن يخلق حالة من العجز والاستسلام في البحث عن عمل، ناهيك عن تقليص المؤسسات سواء كانت حكومية أم خاصة عن استقبال موظفين جدد، ولا يستلم الوظائف إلا من لهم معارف أو لنقل

 ( واصلين)  في تلك المؤسسات.

 هل شعرت بوحدة؟

ربما يختلف معنى الوحدة من شخص لآخر، فإما أن تكون من الداخل أو من الخارج أو يؤثران في الشخص نفسه معا. ويتضح من الإجابات أن معظم الطلبة عانى من الوحدة الداخلية أو الروحية، في الوقت الذي يتقلص فيه دور  الحوار والتعبير ونحن في أمس الحاجة لهما.

إن شعور الطالب  أنه في مهب الريح، إلى جانب كل العوامل التي أسلفنا ذكرها، فإن الشعور بعدم الآمان والاطمئنان والتكاليف والأقساط الجامعية المرتفعة نوعاً ما تجعله في وضع مهزوم نوعاً ما، لا يحسد عليه.

ربما الشعور بالوحدة قد داهمنا جميعاً خلال ذلك العام بشكل واضح، سواء كنا ضمن المحيط العائلي أو خارجه، فإن هنالك شيء لا يزال ينقصنا وبعيد عنا، يجعل من غيابه سبباً في قتل الحياة والروح فينا، عدا عن الوضع المتململ الذي يعيشه الوطن العربي ككل.

بعض الطالبات وصفن هذه الوحدة بالقاتلة، وكان هذا الشعور يتعزز لديهن عند تعطيل الجامعات، فأينما تذهب ترى شبح الوحدة أمامك في صديقك وفي الشارع وفي الضوء وفي كل شيء، والشعور بالوحدة لا يكون خالصا إنما هو مزيج من الخوف وبعد الذات….

 

ما هي تلك الطموحات والأحلام التي نريد تحقيقها في عام 2002؟ 

سؤال يحتاج إلى قليل من التأمل والتفكير، لقد كانت الإجابات كثيرة حول هذا السؤال، منها الإحساس بالأمان وعودة الحياة إلى مجراها ورؤية الأهل بعد الغياب   الطويل، وأن لا تذهب دماء الشهداء سدىً، وإنهاء العام الدراسي الأخير في الجامعة بخير وسلام.

هكذا كانت مجمل الإجابات، التي يتضح أنها طموحات وأحلام عامة، بعيدة عن الذاتية والخصوصية، وهذا يعكس أن كل الطلاب يعيشون الحالة النفسية والاجتماعية ولكن توقعاتهم مختلفة بعض الشيء حول عام 2002 فمنهم من يتوقع أحداث أفضل من أحداث 2001 ولكن بنسبة بسيطة وآخر يعتقد أن أحداثه ستكون مشابهة لأحداث 2001 في حين أن آخر عبر عن عدم قدرته على التنبؤ فالدنيا كل يوم بحال على حد تعبيره، وطالب متفائل جداً حيث يتنبأ أنه عام جديد في كل النواحي وآخر اكتفى بقول الله يستر.

هل سبق الزمن قضيتنا؟ لا تزال السنون تعدو خلف الأيام، وكلنا نجري في تلك التفاصيل الصغيرة التي لا بد لنا أن نعيشها لحظة بلحظة رغماً عن أنفنا، فإن كانت الحياة تمضي دوننا فلنحاول المضي وراءها ومراقبتها عن كثب، يكفينا هزائم، ولنعلم أننا هنا كلنا شهداء كنا على الأرض أم في السماء، فنحن نرى بعيونهم وهم يرون بعيوننا، ولا زلنا نعزف بالناي القديم ونحلم من خلال ألحانه الطفولية العذبة بحياة أفضل وسننجو.