|
لا تقربوا هذه اللوحة
كرمل العباسي عيون تدمع لهيباً يذيب كل جوامد الأرض، ويذيب الأشياء الصامتة، والأماكن الساكنة، والنظرات التائهة، تفجرت تلك الأصوات من كل الأماكن، من كل الحارات القديمة، والشوارع العتيقة، جدار يتشقق حزناً ودمعاً، ألوان تقع على الأرض تختلط لتصنع مزيجاً من اللانهاية، والقلوب تعتصر حزناً .. بل غضباً وكرهاً لكل تلك الجرائم، أو أنها تشعر بالأسى، لا أستطيع وصف حالها، ربما أنه مزيج من الحزن والموت والشفقة على نفوسنا الضعيفة، والأسى على ما فات ومن يفوت، الدماء تجري في كل مكان تلطخ الورود والعيون والأطفال والبراءة، تجري مسرعة لكي تطوف في كظل زاوية من زوايا تلك اللوحة البائسة، والدمار يأخذ مكاناً لا بأس به ليعطي شعور الانهزام، تتمزق الأوراق، تسقط الألوان منهكة يائسة، فيا لتلك اللوحة، تحاول الأفكار أن تنهض متكاسلة من سباتها العميق، لتجد كل من حولها يرثيها، فالأشياء ترثي نفسها، والكلمات ترثي نفسها، العيون تبكي على نفسها، والقصيدة تمزق أوتار القصيدة حزناً على شقائها، ألحان الأرواح الراحلة إلى السماء لا تجد إلا تراتيل السماء الصامتة، فها هي كوكبة جديدة من نجوم السماء تتساقط على الأرض منهزمة، لا خيار لها إلا أن تدفن فلا يذكرها إلا قبرها. كنا نجلس ونلعب ونتناقش حتى أتى صديق وهمس في أذني "رفيقنا قد ذهب"، نظرت إليه وبكل حماقة كدت أسأل إلى أين؟ فلم أجد إلا دموعاً تقول لي أن الخنجر البري قد غرس في لحمنا، وأن الوطن سيحضن من كان يحضننا، تعالت الهتافات، والصرخات ملأت المكان، لقد انقلب كل شيء ووجدت نفسي وحيدة، مع أن المكان كان مليئاً بكل شيء، أي شيء يتخيله إنسان يريد السلام، الأشجار، والأزهار، والأطفال، ولكن ما لبثت أن تجردت كل هذه الأشياء من نفسها وتجردت أنا من نفسي، لأمشي وحيدة، أمشي لا أعرف أين وجهتي؟ أمر وأرى مسيرة هنا، الدموع في كل مكان، والدماء تملأ الشوارع، مع تلك الأصوات التي سابقت السحاب لوصول السماء، كل هذا وأنا وحيدة لا أفهم أي شيء، ولا أقدر على استيعاب شيء، إلا أنني قد أصبحت مشلولة تماماً، لست وحدي بل كلنا، نهتف وقلوبنا تبكي، ولا نملك أي شيء لفعله. عمرها ستة عشر عاما مثلي تماماً، لم أعد أعيرها أي اهتمام. لقد كنا نتعامل مع المواقف بكل هدوء فالقصف لا يهم "لقد تعودنا ونحن لسنا خائفين" هكذا كنا نقول، تعودنا أن لا نرى أحبابنا مع ذلك الحصار اللعين، تعودنا أن لا نسمع أصواتهم إلا عبر الهاتف من الحين إلى الحين، تعودنا على رؤية الدماء الساخنة، تعودنا على الدمار، نقول أننا تعودنا على كل هذا، وكل هذه الصور تدفن في قلوبنا في الأعماق حتى أنها سكنتنا جميعاً دون أن نعرها أي اهتمام فسيطرت علينا وعلى مشاعرنا، وأصبحنا لا نشعر بأي شيء، فالحياة تملؤها الرتابة، والفراغ يسودنا جميعاً، كلنا لا نملك إلا الملل، وكل محاصر بضغوط في عمله وحياته الخاصة تكفيه أن ينفجر، مع كل هذه الفوضى العارمة، والتي لا أستطيع ترتيبها لأن أفكاري مشوشة، فالتشويش أصبح سمة عامة عند الجميع، كل هذا جعلنا نتحول جميعاً إلى قنابل موقوتة قد تأتي لحظة ما لينفجر واحد منا ويقلع كل ما حوله ويفجره. كثير من الأحيان قد تجد نفسك تحتاج إلى البكاء أو أنك تنهمك في البكاء مباشرة دون سبب أو قد تلصق بكاؤك هذا بحدث معين وفي نهاية الأمر قد تجد نفسك مربوط مع كثيرين في سلسلة من الفراغ. في هذه الأرض الآن … الفراغ سيد الموقف فقد تجد سواد العيون يملأ المكان أو البياض المبهم يصارع الألوان، وقد لا تجد أي شيء فالأشياء كأي شيء وأي شيء هو اللاشيء في فراغ هذه الأرض، الفراغ سيد الموقف الآن!!!! رفع الستار وانتهت المسرحية وعلا صوت التصفيق لأجد المسرح ممتلئ بالناس، لا … بل بالأبطال فكلنا أبطال تلك المسرحية وعلينا أن نتخذ الموقف. فالفراغ هو سيد المسرح الآن، ولكن هل هو كذلك بعد عام؟؟؟؟. |