|
يمكنكم أن تحنطوا تابوتكم لميتة ثانية تقرير/ رائد أبو يوسف ليس غريبا أن تمتص الأرض جوانبها، لتختبر قدرتها على التفتت أو/ وبمعنى الآخر قدرتها على التشكل بأشكال "مزمكنة" بواسطة الثالوث المقدس- الطبيعة الإنسانية والأنا و الآخر- وعملية التشكيل هنا تتبناها " الأنا" الأصل التي تبحث عن تاريخها في طبيعة تبحث عن تاريخها بين مكان الحرب وزمان السلم، وتحاول التحول من طبقة اللاشيء "الهامش " إلى طبقة "اللاهامش" ، هذا التحول بمثابة تلبية لحق البقاء الذي لا يحمل في مغزاه عملية الإحلال "الداروينية" ، وبمعنى أقل سطحية هذا التحول هو حقيقة وليس حقا دينيا يمكن تلوينه بمفاهيم ما بعد الحداثة ، وعملية التفتيت الناتجة عن امتصاص الآخر (المجتمع السيد) للأنا الأصل (المجتمع المستبد) تتبناها أنا المجتمع السيد والتي تطمح دوما لتفتيت ما هو دونها من طبقات ، وهو هنا دفاع بقاء "دارويني" من الناحية السيكولوجية ، وهو دفاع لا يعبر عن حق ولاعن حقيقة أيضا .
عندما تتفهمه قيادة الصمام الأول... هذا المنبعث من الداخل يلوح بموت أكثر فتكا من هذا الذي يقذف من الخارج (القادم من الاستعمار) ، لأن الأول هو موت يتخلله مفهوم المقارنة التي تبدأ بِ " لماذا؟ ". سيكولوجية من الصعب توجيهها مرة أخرى أو/ واقناعها بخلاف ما تشعر به ماديا... الأنا الأصل : هي الأنا التي يعتقد الجمهور" افتراضيا" بأنها هي التي تجمع الكل في كل واحدة تقف في مواجهة المستعمِر. الآخر : هي الأنا التي يعتقد نفس الجمهور بأنها خارجة عن خندق الأنا الأصل ، متجهة لخنادق تعتبرها أكثر أهمية لنفسها ، وتحاول إقناع الجمهور بضرورة وجودها لكي تُكمل الأنا الأصل طريقها التي يُجمع عليها الجميع . وليس للتاريخ ضرورة إلا في حضوره ، فالماركسية التي اعتمدت على العمال كمصدر لطاقتها الثورية ، نظرا لأنهم الأكثر بعدا عن حقوقهم الإنسانية، لم تنطلق في جوهرها لإبادة الطبقية، بل لاستنساخ طبقة جديدة للعمال تضمن لهم حقوقهم وتحول دون استغلال الطبقات الأخرى لهم ، ولهذا - على سبيل التمثيل وليس ترويجا للماركسية- ليس مستبعدا في الحالة الفلسطينية أن تنشأ ماركسية تعتمد على الجنود الذين يعانون غيابا كاملا لحقوقهم الإنسانية لأسباب لا يعلمها إلا من يعلمها... وأنا هنا لا أتمنطق، بل إنني أتموقع عند ذلك الغياب ، وأتساءل أو أسأل: لماذا يصبح الإنسان بطلا بعد الموت فقط ؟ وهل يصبح الإنسان إنسانا عندما تغيب حقوقه الإنسانية فقط؟ هناك/هنا ، عند بيوت الليل ( ا لحواجز ) ، تأكلهم أسنان البرد ، قابلتهم وهم يبدؤون ليلهم بليل آخر ، جنود من محافظات غزة يخدمون في الأجهزة الأمنية في مناطق الضفة الغربية ، يعريهم الليل الغريب من ملح أمهاتهم ، علاقتهم بالشمس علاقة عكسية، لا يخافون الحرية ، لأنها غابت وغابوا عنها كثيرا... عاد منهم من عاد لأمه بغلاف أسود، يشعرون بغربة تأتيهم أحيانا من ملابسهم ، وأخرى من نظرة المجتمع لهم كأناس تقودهم الهمجية ، ينظرون باشمئزاز للمتعلم البشع ، ولا يعرفون المثقف لأنه لا يعرفهم... لي بينهم صديق عزيز (م.ص)،لم أجرأ على إجراء لقاء من هذا النوع معه لأنني شعرت بأنها سذاجة ، ترتسم على وجهه تعاليم نشوة كلما رآني قادما مع آخرين لمسامرته ، يملك روحا حمائمية ، ينثرها كلما سنحت الفرصة لذلك ، له نظرته الخاصة التي تعكس واقعه اليومي ، يدافع عن نظريته بشراسة ضد الطبقية المنتشرة في المجتمع الفلسطيني ، له طاقة غريبة على الصبر رغم أنني أعرف تمرده... وفي طريقي لمقابلة بعض الجنود ، قابلته صدفة ، وسألت مستفسرا: الدنيا برد كثير يا .... ، فأجاب : "لا… لأنو عندما تكون جنديا ليس لك حق الشعور بالبرد !" ، ربما تكون جملته اختصارا لحلم في أن يكون من حقه أن يشعر بالبرد ، وأن يقدر المجتمع ذلك الشعور. جنديان آخران ( ف & أ )، الأول قابلته قبل ما يقارب الشهرين ، تحدثنا قليلا وشعرت بحاجته للانفجار ، وبعدما تركته ، بدأت ذاكرتي في استفزازي ، ( ف) الذي كنت أدرس معه ، كان مرحا ، وسريعا في الجري ، قليل الهدوء . كان المدرس يضربه كثيرا ، ولكنني لم أره يبكي أبدا ، ولكنني اليوم شعرت به يبكي ، وللدقة... انه يموت! جلسنا معا ، وبدأنا الحديث عن هموم المجتمع، ولأي مدى تدربت قلوبهم على احتمال غربتهم ، وتداخلت الأسئلة ، وعندما سألته : أنت كجندي مغترب ، ماذا تعني لك المرأة؟ ، فأجاب : عندما تكون في الجيش فأنت ليس ملكا لامرأة ، وتابع… ، لقد خطبت المرأة التي أحببتها منذ زمن طويل دون أن أكون موجودا أمام المأذون ، خطبتها من خلال الهاتف الخلوي ، وأثناء خدمتي على الحاجز…وما يخيفني ، هو أن حياتي ليس ملكي ،بل إنها ملك للرصاصة التي تختارني…وليس للمرأة التي تختارني... استذكرت أثناء ذلك ما كتبته ذات مرة عن المرأة التي تسكن فينا ، وتجوب قدميها شوارع غير تلك التي تجوبها أقدامنا ، قلت: " في فوضي الوقت ...يأتيك حلم بامرأة تمحي همومك ...وتخلق من فوضى الوقت ، وقتا لفوضى الجنس والحب والغربة..." وتعود بي الذاكرة لمِا قاله جندي آخر من موقع آخر ، ينوي الاستقالة ، وسألته: ألا تعتبر هذا هروب من المعركة ؟! ، فأجاب ببداهة : لا تخف ، أنا مروح من حرب لحرب (يقصد بذلك زوجته). تابع ( ف) حديثه قائلا : أريد أن أكون حرا ، فالحرية توجد في كل مكان ، وإن لم توجد فإن الإنسان يناضل من أجلها ، إلا في الجيش ...وطلب مني تصديقه عندما قال: رائد، أنا لا أشعر بحريتي إلا عندما ألبس ملابسي المدنية... أما ( أ ) صديق للجنود الغزيين ومقرب منهم وهو من سكان الضفة الغربية ، كان يتكلم بخجل عندما كنت أحدثه ، تكلم عن الوطن وقال : الوطن هي الذات التي تسكن الإنسان ، ولكنني أشعر بأنني أحمي وطنا آخر ليس لي ، وأخذ يسرد قصة ليلة الاجتياح ، وأشار باتجاه فيلا أحد المواطنين ، وقال : صاحب هذا المكان كان يحاول طردنا من محيط منزله ليلة الاجتياح ظنا منه بأننا نرمي لمقاصد أخرى…! ، وبعد تلك الليلة أخذ في بناء سور حول منزله ، كي لا نتمكن من الاختباء لو حدث شيء مماثل لما حدث تلك الليلة ، وغير اتجاه إصبعه ، وقال: انظر هناك… المسافة ليست بعيدة بين المنزلين ، ولكنها أبعد مما تتخيل حين تقارن الأبيض بالأسود...سكان هذا المنزل أناس طيبين ...وأنا على استعداد لتقديم روحي من أجلهم ، أما أولئك الذين يسكنون ذلك المنزل، فأنا على استعداد... وَصَمت. وتكلم كل من ( أ ) و(ف) عن مفهوم الخيانة، وكان مجمل ما توصلا إليه هو وجوب موتهما معا ،كي لا يصبح أحدهما خائنا في حال استشهاد من يشاركه عملية الحراسة... وتحدثنا عن القانون الذي يحكم البلاد ، قلت لهم : يقولون أن القانون فوق كل شيء، فهل القانون فوق معاناتكم؟ أجاب ( ف): أنا أريد أن أموت من أجل الوطن، وليس من أجل السياسة، والقانون ليس فوق معاناتي ، وفكر ( أ ) قليلا وقال : لا شيء فوق معاناتي... ودار حديث عن شعورهم بالموت… قربه منهم وملاعبته لقلوبهم بين اللحظة والأخرى ، سألتهم: هل تتقنون الشعور بالموت؟ عدل (ف) من جلسته ،وقال :الإتقان أو الثقة لا تأتي إلا بالرؤية ، وبدأ في سرد قصته في إحدى ليالي الاجتياح...حين عرض نفسه لموت محقق في محاولة منه لحماية زملائه ، وتابع ضاحكا ببطيء ، منهم من قال لي شكرا ، وآخرين قالوا لي بأنني أريد أن أصبح بطلا على حسابهم... وفي مكان آخر ، جلست مع بعض الضباط ، وناقشتهم حول الآلية التي يعملون بها ، من أجل حماية الجنود الغزيين من الشعور بالإحباط والغربة ... فقال أحدهم : إن علاقتي مع البزة العسكرية ، هي علاقة دينية ، وهي بمثابة الوضوء لاتمام الصلاة في الجيش ، واستطرد: القانون هو القانون ، ولا يمكن لشيء أن يكون أكثر علوا منه... وآخر تكلم عن العلاقة التي تربط الجنود الغزيين بجنود الضفة الغربية المتواجدين في نفس الموقع، فقال جميعنا أخوة ،والفرق بين الشمال والجنوب موجود فقط في خرائط الجغرافيين فقط ، وعلقت بدوري ، والسياسيين أيضا ، فهز رأسه موافقا...ولكنه قال : لا أعلم. صمت ... ليس لدي غيره بعد الرؤية التي علمني إياها ( ف ) ، ولكن هناك الكثيرين ممن يعرفون الحقيقة ، ويرسمون ألوانا لها ، يجعلونها جنوبا تارة ، وشمالا تارة أخرى ، ولكن أولئك الجنود يعرفون بأن عين واحدة بدون رموش قادرة على رؤيتهم في الليل عند الحواجز. |