|
نص مفتوح
أفكار قاسم في آخر هذه الحارات ، وفي أحد أزقتها العتيقة ، حيث تطل البيوت على بعضها البعض ، وتتشابك أغصان الليمون المتسلسلة همسات رقيقة مع النسيم، في حين يسرع هو ليلقي بنفسه في أحضان شجرته المفضلة ، يحب أن يتسلقها ليرقب الناس من بعيد ، يعلق على أغصانها أحلامه الصغيرة ويبني بين فروعها مسكنا له . هذا الصبي الصغير كتلة متنقلة من طاقة مذهلة ، بشعر أسود مجعد وعينين واسعتين براقتين ، كان يحب تأمل الأشياء من حوله ، فيرسم ويخط في ذاكرته صورا كثيرة . تصادف أن كان ذات مرة مشغولا يعبث مع بعض أصدقائه بجوار منزله عندما مرت سيارة عسكرية فلاذوا جميعا بالفرار ، يدرك أنه يتوجب عليه الهرب في مثل هذه الواقف، وهو شيء استنبطه عقله الباطن ، ولكنه بالفعل لا يدري لماذا ... بمقاييسه هو ربما لا يتعدى الأمر كونه لعبة صغيرة و لكنه يشعر بالعجز عن الإمساك بمفاتيحها وهذا أمر يزعجه . فأحيانا لا يرغب في اللعب ويريد فقط أن يركن جسده الصغير على حائط المنزل فيخط على الأرض بضع كلمات أو رسومات ... حدث أن اقتحم بيتهم ذات يوم من قبل بضع جنود إسرائيليين كانوا يبحثون عن شيء لكنه لم يفهم. كانت عيناه ترقبان كل شيء ، ملابسهم ، حركاتهم ، كلماتهم ، يبدو هذا الآخر غريبا عليه فهو لا يفهم ما يقول ، ولا يجد تشابها بينهما في الشكل أو طريقة التصرف ، ذلك الآخر يحب أن يحطم الأشياء ، يحب أن يؤذي أهله ، يحب أن يقتلع أشجار الزيتون ، كل ما يقدر عليه هو أن يكون صورة ضبابية الملامح ، وأن يضع كثيرا من التساؤلات ، ويحاول عبثا أن يبحث عن إجابات ، تتزاحم صور كثيرة في ذاكرته ، ويختلط فيها كل ما يسمعه أو يراه ، ولكن طفولته اللعوبة سرعان ما تحاول أن تلهيه وتشغله . عندما تجتمع الأسرة مساء ويحتدم النقاش السياسي بينهم يحاول أن يفك رموز هذه اللغة ، ولكن مفرداتها صعبة عليه ، الأعداء ، الصهاينة ، الغدارون… والوطن . ماذا يعرف هذا الصغير عن الوطن ؟؟، أي رؤية عنه يحمل عقله الصغير ، يعرف أنه يحب شجرة الزيتون في بيتهم ، يحب خبز أمه حين يكون قد اشتد به الجوع ، فيتلقفه حارا يلسع يديه ، الوطن بالنسبة له ثوب أمه ، وشاحها ، رائحتها ، وصدرها الكبير ، الذي يحب أن يرتمي فيه . بعثته أمه الحبيبة ذات يوم ليشتري لها أشياء كانت بحاجة إليها فتوجه بصحبة أحد رفاقه الصغار إلى السوق وبينما كان سائرا رأى حشودا من الناس كبارا وصغار يتجمعون عند أحد المفترقات ، ثم انطلقت أصوات الحجارة تخالطها طلقات الرصاص . تلفت حوله فأخذت عيناه تبحثان عن صديقه ، فإذا به بين تلك الجموع يرجم ذلك الآخر ، الذي يقف على الجهة الأخرى من الطريق . لم يع أن ذراعه تلق بكل شيء وأنه كان يتوجه مسرعا ليشارك في هذا الكرنفال الكبير ، يرجم حيث يرجمون ويهرب حين يهربون ، إلى أن شعر بأنه توقف عن الركض ، ماذا حل به ، بدأت الصورة تفقد ألوانها ، وبدأ شعاع النور كأنما به يتبعثر في كل ناحية ، وبات شيء من الحنين يتغلغل في قلبه رويدا رويدا ، فتتراءى له صورة أمه بجوار التنور ، أو خلف شجرة الزيتون …. فيغمض عينيه بقوة لكي لا تختفي تلك الصورة البهية ، وقد خيل إليه أنه يسمع صوت والده الذي كان أيضا بين الجموع ، فيشعر بيد تحمله عن الأرض ، يد دافئة ، يد عرفها واعتاد عليها ، فاستكان لها ... |