|
حصار الصبار
لما الطرايرة دموعها الحارة تتساقط على خدودها الوردية الزاهية لتحرق قلبي فتزيد ألمه. أنظر إلى عينيها اللتين يملأهما سواد عربي فاحم. عبراتها تتساقط كحبات لؤلؤ فتلامس أنفه الصغير وتمر بوداعة على وجنتيها الباردتين وتتوقف عند شفتيها الناعمتين. أضمها إلى صدري، أدفن أنفي في خصلات شعرها البني اللامع، وأحاول إخفاء دموعي في ثنايا رأسها الصغير، وأخبرها أنه حاملا توافرت معي النقود الكافية، سأشتري لها ذلك الحذاء الذي تتمناه، وعندما تسألني متى؟ تعلق غصة الإجابة في حلقي فلا أتكلم، وأكتفي بضمها إلى صدري الواسع علها تفهم أنها لن تحصل أبدا على هذا الحذاء إذا ما استمروا في قطع أوردة هذه القرية وتدمير طرقاتها ومحاصرة أحلام أطفالها... وتنام ميساء بين يدي، ربما لتحلم أنها تلبس الحذاء الجديد، وتسير في شوارع القرية لتريه لصديقاتها وتصرخ بافتخار: " هذا من أبي " أستيقظ من أحلامي قبل أن تستيقظ ميساء من أحلامها، حين لامست يد زوجتي الحنون كتفي طالبة مني أن أعطيها الصغيرة لتضعها في الفراش المترامي على أرض الغرفة الباردة. ابتسم في وجهها ابتسامة كاذبة من قلب متألم مع أنني عالم ان زوجتي هي الأكثر معرفة بحالتي التي دمرت أدنى ملامح السعادة فيها، إلا أنها وبالرغم من ذلك تبتسم في وجهي فتذكرني ان الحياة تستمر بالابتسامة. أنظر في وجهها الأصفر الدائري، عيناها صغيرتان إلا أنهما جميلتان جمالا لا يوصف، شعرها الأشعث تدلى على جبينها العريض ليظهر ملامح حنان لم أشعر يوما عشته معها بافتقاده. ناولتني كأس الشاي الساخن. وضعت كفي حوله كما لو أن كنزا لا أريده أن يضيع، تذوقته، كان لذيذا، ولكن لا سكر فيه، ومع نظرات زوجتي الحزينة المحدقة في وجهي، علمت أن لا سكر لدينا، كما لا طحين ولا أرز. حولت نظري إلى الغرفة التي جلست فيها، ليقع على الأواني المعلقة على الحائط المقابل وقد أكلها الصدأ كما أكل حياتي قبلها، وأسفلها، كانت طاسة صغيرة بجانب دلو الماء الملقى على الأرض والذي لم نرده للشرب كما أردناه لتغطية الفتحة في حائط البيت والتي أحدثتها قذيفة ثقبته ولم نستطع بعد إصلاحه. في الزاوية الجنوبية كانت ميساء تحلم بالحذاء، بينما جلست أمها تحيك ثوبا لم تجد ما يكفي من القماش لتجعله مناسبا لمقاسها، إلا إنها أصرت على تطريزه بيديها اللتين غدر بهما الزمن فلوحتهما التجاعيد قبل الأوان. على فرشة مجاورة جلس كريم باذلا مجهودا خاصا في صنع سلسلة بيديه الصغيرتين، يدخل رصاصة بنية ساخنة من أحد طرفي الحبل ويعقده بالطرف الآخر لم أرد أن أساله عن حاجته لكل هذه القلائد التي صنعها التي قد تبلغ في عددها ما يفوق العشرين قلادة، كلها من رصاصات اخترقت جدران المنزل من جهاته المختلفة، إذ رأيته منسجماً بطريقة لم أره عليها من قبل عند صنع أي قلادة من تلك التي يجمعها في صندوقه الخشبي الصغير الملقى بجانبه فأدركت أن الانسجام في صنع هذه القلادة بالذات ما هو إلا لكون تلك الرصاصة مميزة في نظره، فهي لم تخترق الجدار فحسب ، بل اخترقت أعز أحلامه الوردية باختراقها الصورة الوحيدة مع صديقه الشهيد فارس، تلك الصورة التي قضى ليلة كاملة في صنع الإطار اللازم لها، ودق المسمار المناسب في الحائط الذي رآه أقل عرضه للرصاص لتأتي هذه الطلقة فتحطم شعوره بالأمان اتجاه هذا الحائط، وآخر ذكرى له مع أعز صديق وأخ. رؤيتي لنبتة الصبار في حديقة المنزل أبعدني عن التفكير بكريم ودموعه وذكرياته. أشعرتني أوراقها الخضراء براحة سرعان ما تبددت عندما تذكرت ما وراء الجدار من ظلم وقهر ومعاناة لاحظت غيابه فسارعت بالنظر حول الغرفة مارا بالدهان المتهرئ والكتب المتناثرة التي اعتلاها الغبار من قلة استعمالها وصورة ملقاة على الأرض وثقب كبير ينتصفها قاتلا روح طفل وابتسامة الآخر ليحط بصري عليه في الزاوية النائية الفارغة من الغرفة، التي لا أعرف لماذا اختارها بالذات ليجلس فيها وحيدا محدقا في ورقة حينا، وفي الحائط الذي يقابله حينا آخر، وبالرغم من أنه أبني أمجد الذي لم يعتد على إخفاء سرعتي من تعاهدنا على الصداقة الأبدية ، لم أفلح أن أعلم السبب الذي جعله يجلس في تلك الزاوية وحيدا لا يتكلم مع أحد ولا يتكلم أحد معه وكأنه لا ينتمي لهذه الأسرة الصغيرة التي تحطمت أحلامها حلما حلما فحوصرت آمالها مع الحصار الذي فرض عليها من كل ناحية، حتى خيل إليها أنها لم تجد المنقذ. أمجد: ذو العينين البنيتين كاللتين تقبعان أسفل حاجبي الثخينين، والوجه الصغير المرتفع فوق رقبة طويلة قمحية اللون، الثلاثة عشر عاما التي عاشها في قلبي وروحي وأفراحي وآلامي جعلت منه الفتى المميز الذي عليه اعتمدت، وأحزاني في قلبه طالما أودعت وأفراحي مع بريق عينيه دائما شاركت ولكنه في تلك الزاوية ليس امجد الذي عرفت، ليس طفلي الذي تشع نظرات البراءة من عينيه، وتفيض عبارات من قلبه وأفكار الأمل من وجدانه، أنه الطفل الذي عاش ألما زرعه في قلبه بذرة بذرة ، الطفل الذي عاش ظلما تجسد في صدره فحرقه حرقا لا شفاء له، الطفل الذي يجلس لساعات ربما لا يشعر بها، يحدق في حائط مهتريء يوشك على الوقوع وورقة كتب عليها جملة واحدة لا أكثر..ولم يكن ليرفع نظره إلا نادراً، وعندما تطلع حوله هذه المرة ووقعت عيني في عينيه الواسعتين البارقتين رأيت دمعة حارة تنم عن القهر والمعاناة ـ أدار وجهه بسرعة ، نظر في الورقة ألقاها في الزاوية وذهب إلى فراشه واضعا كفيه في جيبه. عندها شعرت بألم قاتل، لا لأن دموعه لم تكن الدموع الوحيدة بعد دموع ميساء وكريم، ولا لأن قلوب صغيرة في هذه الغرفة تحطمت من اجل ثوب، حذاء أو صورة، بل لأن تلك الدموع كانت دموع أمجد، طفلي الذي أعطيته قطعة كبيرة من قلبي المحطم وأخرى من روحي، وثالثة من جسدي المنهك. عندما تحركت من مكاني، ووقفت على قدمي المصابة بعيار ناري صنع منه كريم ثاني اكبر قلادة في صندوقه الخشبي، واتكأت على عكاز حصلت عليه مقابل مبلغ من المال كنت قد جمعته لشراء حذاء ميساء أو ثوب أمها، وسرت ببطء وألم وفضول نحو زاوية أمجد النائية. رأيت شيئا لم أكن قد لمحته من قبل من مكاني على تلك الفرشة. لاحظت أن أمجد لا يحدق إلا عبر الفتحة التي خلفتها القذيفة، والتي لم يغطها الدلو كاملة من تلك الزاوية فرأيت نبتة الصبار وأوراقها الخضراء. رأيت السور القديم المحيط بمنزلي الصغير، رأيت التلة المجاورة، ولكنني أيضا رأيتهم. كتل بشرية ملفعة بالحديد والنار تسير ذهابا وإيابا، تغطي رؤوسهم خوذ بنية، وتغطي ملابسهم أسلحة فتاكة، بينما تحيط بهم أكياس من الرمل وجبال من الحجارة، يقف إلى يمينهم صف من الرجال الصامدين لصابرين، وعلى يسارهم عدد من النسوة الكبيرات والصغيرات، وأطفال تشع من عيونهم نظرات الإصرار والألم. خلفهم تقبع تلال حرقت زينتها وأمامهم ثقب في حائط منزلي القديم حيث جلست على فرشة ممزقة بجانب أحد الجدران الموشكة على الانهيار، قلبي ينزف وقدمي مصابة، في حين جلست امرأة تحلم بقطعة قماش لإكمال ثوب يقيها برد الشتاء القارس، وطفلة سمراء نائمة في الزاوية الجنوبية من الغرفة تحلم بحلم مستحيل وأمل صعب المنال. وحيدا جلس كريم، مع قلادة ثائرة وصورة ممزقة، ونبتة الصبار التي ملأها غبار السنين وغطتها أحزان الأيام ما زالت واقفة رغم اختراق قذيفة مجنونة لها في طريقها إلى حائط المنزل، تحتضن أوراقها أشواك تحميها من عوائل الزمن... بينما لاعبت نسمات الهواء ورقة ملقاة وحيدة خائفة كتب عليها " سنعيش يوما" وأوراق الصبار لا تزال خضراء... لا تزال خضراء |