|
يوم ماطر أيمن محمد مرار ارتشف فنجانا من القهوة لا أكاد أضعه على شفتي بسبب سخونته الكبيرة وأنا متدثر في عباءتي، وصوت الريح القوية عندما يدخل في مدخنة المنزل يعزف لحنا موسيقيا جميلا،ً وحبات المطر تضرب زجاج الغرفة تكاد تكسره، وأشجار الحديقة تتمايل عيدانها مع الريح بعد أن نزعت ثوب الخضرة الربيعي ومياه الأمطار بدأت تتجمع على شكل بركة في منتصف الحديقة لتشكل إيقاعا رسمته يد فنان قديم. وأنا على تلك الحال وإذا بحركة غير عادية في الحديقة، وبعد لحظات سمعت طرقا قويا على باب بيتي فخرجت استطلع وأنظر من جاءني في هذا الوقت . فتحت الباب فإذا بشاب في مقتبل العمر يلبس ثيابا لا تكاد تستر جسده بالكامل مع نعل ممزق. وجه أصفر وعينان حمراوان فذعرت من المنظر فسبقني إلى الكلام وقال ( هل أستطيع أن أدخل) فقلت له : تفضل!! فدخل وجلس بجانب المدفأة، وكأنه يريد أن يدخل فيها وبعد لحظات بدأ البخار يتصاعد عن ملابسه المبتلة بالكامل. أحضرت له طعاما وشرابا فبدأ يأكل بشراهة وسرعة وكأنه لم يذق الطعام منذ أيام و أحضرت له ملابس جافة ليبدل ملابسه المبتلة وعندما أحسست بالطمأنينة تجاه الشاب سألته عن السبب الذي أوصله إلى هذا الحال؟ فقال: أنا شاب مصري من القاهرة أنهيت دراستي الجامعية من كلية الهندسة ولكنني بعد أن تخرجت لم أجد عملا في بلادي فاضطررت إلى القدوم إلى إسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية للعمل هنا فوجدت عملا في مصنع الطوب المجاور لمكان سكنك في هذه المنطقة النائية. كان العمل يوفر لي مائة جنيه في اليوم وهي أجرة كبيرة في بلادنا ولكن ظروف العمل كانت سيئة جدا فأنا على سبيل المثال يطلب مني العمل خمس عشرة ساعة في اليوم دون توقف وعندما اعترضت وطالبت العمال بالإضراب لتحسين أجور العمل وجدت نفسي مطرودا من العمل في هذا اليوم الماطر شديد البرودة فلم أجد مكانا أذهب إليه سوى هذا المنزل المجاور للمصنع. فقلت له: وماذا تنوي أن تفعل الآن ، قال لي لا أعرف ولكنني يجب أن أجد عملا آخر وأن لا أعود إلى بلادي فارغ اليدين هكذا. وبعد ذلك غادر لشاب وقد ترك في نفسي حزنا عميقا وقلت في نفسي لماذا لا تقوم الدول بتوفير مشاريع واعمال لمثل هذا الشاب حتى يبدع في وطنه ويعطي جهده وطاقاته لخدمة وطنه وشعبه وأمته. |