موسيقى اللحظة الأخيرة

رمزي الرفاعي
جامعة بيرزيت

بين أصوات المدافع وألوان الرصاص، موسيقى اللحظات الأخيرة ودموع الغيظ المغيرة تسكب هاجسا من الخوف الرمادي وتسكن جفوني فلا تبقى مجالاً لمعرفة المصير. في رام الله تنصب المشانق وتستعد خفافيش الليل لهجومها المخيف على أضواء الشموع ليبكي القلم بعضا من الأسرار ويضفي القليل القليل من الأمان الهزيل. في هذه الليلة أتمسك بوميض الشمعة الخافت منتظراً صوت الباب تدفعه أيادي البنادق فكل الناس في رام الله يترقبون موعدهم المنتظر جالسين بين سراديب أفكارهم أو حاملين قطعاً من أجسادهم .

عند النوافذ  نجد أفواه بنادقهم الجائعة تسترق النظر إلى منازلنا، وعند الأبواب نجد خيم رحالهم المصفحة تنصب هنا أو هناك وتشعل النيران في كل شارع. اشد ما ارعبني هذه الليلة ليس بنادقهم أو صوت ضحكات مدافعهم بل ميتة جاهلية أكون فيها جيفة تلقى في الطرقات وليس معها سلاحها. وبين غناء الرصاص وموسيقى بكاء الأطفال سادت بضع لحظات من الصمت انتزعت من حناجرهم الكلام ورقدت خلالها زوابع الظلام على قلوبنا فهشمت طمع الحياة ورغبة البقاء. ثم كانت صيحات الشروق تعيد الدفء لأوتارنا الصوتية بعد أن انقطعت إشارتها الواهنة.

اللحظات القليلة القاتمة كأنها الرعب بوجه آخر، فالسعادة عبر شروق الشهادة تضمحل حتى الفناء لتسكب أحزان الماضي وتمتشق روح الأحزان الأقحوانية.

الصبر الصبر يا آل فلسطين" وهل للصبر أن يتحمل ما تطلبه أصواتهم الضبابية وهي تشكو مر ليلها ، ففي النهاية

إصرار الروح غلب أجسادهم المطحونة على صخر الحزن وإذا بنا ننتظر النهاية على أنقاض البداية.