|
يراع
باسمة التكروري أعود اليوم وأكتب مصرا على وجودي، لكي لا تظنوا بأن شيئا مواربا حدا بي إلى السكوت بعد نشري لما كان بيني وبين باسمة التكروري من حديث في المرة السابقة.أعود اليوم لأشهد الله أنني بريء من كل ما تهافتت عليه عقولكم في النسج حول مصيري الحالك الذي صرت إليه نتيجة لطول لساني. وإني أشهد الله على سبب اختفائي، فكل نميمتكم لم تستطع وصل خيط القول بالحقيقة ولا استطاعت أن تقترب منها. أنا وقد بلاني الله بطول قلمي ولساني، فقد ترك بي نعاس الأطفال في سني وحاجتهم إلى النوم، إلا أن صفة الطول وقد لبست كل شيء مني _إلا البدن _ قد وصلت مواصيلها إلى حد جعلها تلبس النوم. ولكي أدخل في الجد قبل أن تضيعوا في متاهات لغتي اليراعاتية الأصيلة،أخبركم أن طول النوم وغمامته كانا السبب صاحب الحصة الأكبر في اختفائي الطويل هذا.ويعلم الله أنه ما جعلني أصحو من نومي إلا نفض معن سمارة لمكتبه _وهو أمر لا يحدث إلا في قصص السندباد _ ونفضه لدرج المكتب الذي كنت قد تربصت فيه لهيئة التحرير أثناء أحد اجتماعاتهم،كي يتسنى لي أن أرصد كل ما يدور بينهم،فأوقعهم في شرور أقوالهم، ولأجعلكم شهداء على ما يقولون في غفلة عن السامعين. وللحق فأنا لا أعرف بالضبط إن كان نومي بفعلة فاعل أم كان حدثا عارضا حاكه القدر لي. حتى إنني حين صحوت ظننت أنني نمت عددا يراعاتيا أو بضع عدد، وهالني ما اكتشفته من عدد الأعداد التي نمتها كقطعة فحم لا حياة فيها. ولأنه لم يكن لأحدهم الخير في تذكري، فقد أصابني ذلك بعظيم الكرب، ونخر الهم في عيني أكياس الدمع،وحفر في وجهي قنوات وشبكات صرف صحي للتخلص منه.بينما كنت في تلك الحال غارقا إلى أذني بالعويل والانتحاب أمسكت ورقة وقعت عليها يدي صدفة،وكان في نيتي أن أمسح بها بعض الدموع قبل أن تلتقط عيني الجائعة إلى القراءة جوع المعدة إلى الخبز واللحم المسلوق باللبن والنعناع،والدجاج المحشي المحمر والمزين بشتى أنواع اللوز والصنوبر المقرمشة _ معلش ،الجوع غلاب _ حيث بدأت أقرأ ما كان على الورقة،فإذا به يكون ما سجلته عليها قبيل غرقي بغفوتي_ الأهل كهفية_ وكان لما كتبته كل الأثر في إزالتي من حالة الهم تلك، وخفف عني من ويلي ما خفف،وأوقظ بي شيطاني الذي سخرته لهدفي النبيل في كشف بواطن الأمور اليراعاتية على الملأ _ فضحهم يعني _ وذلك إن كان لشيء فإنه لرد العين عنهم _لا تصدقوني _ فمن له في وقتنا هذا أن يخرج من بيته _خاصة وإن كان يراعاتيا _قبل أن يلبس ما أعدت له فكاكة الحسد وردائة كل عين من خيرة مشعوذات البلد من أحجبة،و قبل أن يقرأ سورة الفلق ،مشددا على آية "ومن شر حاسد إذا حسد " . وأنا الآن أضع الورقة الدليل أمام أعينكم قبل أن أمد يدي إليها،وقبل أن يخرب ويزور فيها شيطاني_أكثر مما فعل_وهي خالية من كل تزوير معمود إليه . " …الوقت بات متأخرا ، وأنا رغم ذلك أرى خمسة_ في عين كل حاسد جاحد_ من اليراعاتيين وسادس لا أعرفه، يجلسون بشكل لا صلة للرسمية فيه، والناظر إليهم _ من ثقب المفتاح في درج المكتب_ يستطيع تمييز نبرة لا جدية تغزوهم من وقت إلى وقت . السادس يتحدث واثقا من نفسه جدا، والخمسة يتناوبون القفز والرد عليه. بثينة تجلس في الزاوية خلف طاولة المكتب،متحفزة،تضحك إذا ما "تمسخر متمسخر"، وترد عين الرد إذا وجدت من الأمر بدا .لمى تتكور داخل كرسي المكتب الكبير عليها- تكاد لا تظهر _ إلى ييمنها رائد يرتكي إلى المدفأة من جانبها الأيسر ، وتحيط باسمة بالمدفأة على طول ذراعيها_ وإن قصرا _ من جانبها الأيمن كله حتى ليظن الناظر إليها مواربا أنها ستغافل رائد في أي لحظة لترفع المدفأة إلى حضنها. أمامهم يجلس السادس،بينما يسد ظهر معن الرؤية بشكل أفقي،فجعل من نظراتي كلها مواربة_ وكأنني لم أكن أنظر شزرا إليهم _ وهذا المشهد لا يريكم إلا زمرة من المتآمرين على مكيدة ما كتلك التي تشاهدون في أفلام كورنتو التعليمية ….عفوا أقصد في أفلام هتشكوك المرعبة. وإني إذ حاولت جهدي لأتوصل من خلال الحديث إلى هوية ذلك السادس،فإني لم أتمكن من معرفته بسهولة إلا بعد أن قرأت فنجان معن ، ورأيت فيه شخصا لا هو بالطويل ولا هو بالقصير، لا هو بالأشقر ولا هو بالأسمر، لا هو بالـــ..،المهم ،يظهر للقراء بعد إشارتين، ولا نعلم إن كانتا صفحتين،أم ملحقين ،أم مجلتين، وكان في يد الشخص اليمنى فستقا طويلا، وفي يسراه شيء يستميت البشر حوله في الوصول إليه. لحسن الحظ،ولكون معن من القراء المتوسعين في قراءاتهم فقد وجدت في الدرج كتاب" ابن عم خالد عجاج في تفسير الأبراج" _وضعته في جيب سروالي الخلفي _ وكتاب " أصدق الزور والبهتان في تفسير ما جاء بالفنجان " لواحد من عمان ،بدأت أقلب صفحاته وأضرب الحرف بالحرف والرمز بالرمز إلى أن توصلت أن ما كان في يمنى الرجل ما هو إلا فستق سوداني وفي يده اليسرى مراد الناس، بعملية حسابية معقدة حذفت نصف ما كان في يده اليمنى الأول ونصف ما كان في يده اليسرى الثاني فكان الاسم " مراد السوداني " . وبينما كنت أرقص فرحا لذكائي الذي سيهز حكايات الشرق والغرب ، ولاسمي الذي سيصير حكاية الناس من أقاصي الكون وأدانيه بعد قدرتي الشعوذية العجائبية، ترامى إلي بعض الحديث الذي دار بين الستة . ولشدة دهشتي التي ستتبعها دهشتكم ولا شك _ فأنا السباق إلى الخير دوما_ كان حديثهم عن موضوع لا مجال للتآمر فيه،سوى انهم قرروا كتابة تقرير عن يراعات منذ أن بدأت فكرة إلى أن صارتني ، ولم تكن دهشتي بل وجوهر حنقي سوى أن أحدا منهم لم يذكرني ولم يعد بذكري فيما سيكتب حوله من أمر يراعات ولو بسطر … " هذا كل ما كان مكتوبا على الورقة،ولو ما كنت قد ابتليت بالنوم لقدرت على إكمال مهمتي في التلصص على هذه الهيئة المتنكرة لي والمتآمرة على تجاهلي . ولشد ما يحزنني هو بلادتكم العاطفية تجاهي،رغم كل ما أخصني الله من ظرافة و صدق، فلم يفكر أيكم بالكتابة إلي ولا بذكري،رغم أن ذكرى ميلادي السادس مرت قبل شهر ، ولسوف أعيث نقدا في كتاباتكم في الملحق القادم،سأهجو ما تكتبون ،ولأعلمنكم معنى تجاهل رأيي الصويب، ونظرتي الحكيمة والمتزنة إلى الأمور، وليراجعني المراجع منكم فيما أقول،لأخزينه بما آتاه قلمه من فضيحة .وليكن بالعلم أنني لن أترك من شر نقدي شاعرا ولا مستشعرا،كاتب قصة ولا مدعيها، كاتب الخواطر أو المصر على دحر و ذبح هدأة خواطرنا ببكائه وتحذلقه . ولن تنفعكم في وقفي عن فعل ما ألوي على فعله أي قوة خارجية كانت أو داخلية، ولن أهتم حين أنتهي من تفريغ غضبي عليكم بعد اليوم للومة لائم . |