خريف بألوان إمبريالية

رائد أبو يوسف

"سنتحدث بلغتهم ،دون الإحساس بالذنب ،ولا إحساس بالجميل "،بهذا  التمر السوداني ربط (الطيب صالح ) عنق الثلج وغضب الصحراء في روايته " موسم الهجرة إلى الشمال "،وثمة معجزة ما في أن تعترف الصحراء بأنها تفتقد للماء…وحبل واحد ووحيد هو القادر على إتمام ذلك الربط ، وخصوصا في هذه الأجواء الخريفية التي يعيشها العالم بأسره ، ألا وهو الحبل السري للإمبريالية غير التقليدية ،والتي تتبع اليوم أسلوب الفتوحات الإسلامية التي كانت تعمد لبناء مراكز قوى في البلاد التي يتم فتحها ،وليس فتح أنابيب يتم امتصاص قوة تلك المراكز وصبها في "مكة" المركزية الوحيدة ، وهذا من باب الوصف لا التشبيه بين الاثنتين،فالفارق كبير وهو وجود الثلج أو عدمه.

فالثلج الذي "تأبرط" (من إمبراطورية)خلف تداعيات الالتزام الحضاري باتجاه الإنسان الشرقي ، خافيا الوجه الاستعماري خلف خمار "نحن" أعطينا "هم" التقدم ، ونريد حماية "هم" من أن يكونوا "هم" تخلفا ثالثا، وليس التخلف هنا اقتصاديا فقط كالمعتاد ، بل تخلفا سياسيا أيضا ، ومن المؤسف أن ذلك حقيقة ذات اتجاه واحد ،وهو اتجاه "هم"،ولذلك علي ماء الصحراء الاعتراف بتلك الحقيقة ، وأن يتحدى نفسه الآن حضاريا وتاريخيا

وثقافيا …

والبقاء فيما قاله (فانون): "بأن أول ما يتعلمه الأصلاني هو أن يبقى مكانه.."،لا يعني على الإطلاق  الوقوف فقط شاهدا على التقدم الذي يصل إليه المحتل، بل البقاء على مستوي من المقارعة والاستمرارية فيها،وذلك لسبب بسيط وهو أن الاحتلال لا يزول أبدا ، حتى عندما يسكن القمر بعدا بالمسافة عن من احتلهم ، ومن هنا ينضج المفهوم المباشر للإمبريالية غير المباشرة ، أو بمعنى  مغناطيسي "إسرائيل " في معادلة الشرق الأوسط،و"بريطانيا_ايرلندا الشمالية " قي قلب أوربا، وهناك معدلات أخري من ذوات اللامغناطيسية مثل معادلة"منطقة الخليج العربي"،

وجميعها إمبريالية غير مباشرة رغم أنها تمارس عنفا جغرافيا مباشرا.

ومن المهم أن نرى بأن ثمة غيمه ذات طابع سفسطائي ، لا توشك أن تمطر منذ أكثر من نصف قرن ، ولا تنوي الرحيل لتمنح الشمس فرصة بالكشف عن لونها.

وهذا ما أجبر العالم على أن يكون "على الأقل " مطلعا على الصراع القائم في الأراضي الفلسطينية،ذلك ليس من أجل التزام العالم الحضاري اتجاه الإنسان الفلسطيني،ولكن لأن الشمس "العولمة"مصلحة يعتقد بأنها كونية ضرورية للبقاء،ولكنه البقاء الذي يرفضه (فانون) من الجذور.

ولذلك ،في عالم لا يعرف فيه كيف يقاس من هو الوراء ومن هو اللاوراء ،ومن هو أخلاقي وغير أخلاقي،علينا أن نفهم الماضي وأن يكون لنا وجهة نظر للمستقبل،وعلينا أن نمسك بطرف من أطراف المسطرة الدائرية،وأعتقد بأن ذلك لن يكون في القضية الفلسطينية إلا ثقافيا واجتماعيا،كمرحلة أولى لعملية المسك المستمرة ، بمعنى المشاركة لا التبعية التي تبدو مستقلة في جميع الحالات.

يجب العودة للوحدة الاجتماعية، والاختلاف الثقافي …يجب إعطاء المزارع _غير المتعلم _ الحق في فهم عملية مقاطعة البذور الإسرائيلية ، وليس الطلب من المستهلك مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وفي نفس الوقت شراء إنتاج المزارع الفلسطيني الذي يشتري بدوره بذور منتجاته من إسرائيل،فهي معادلة مضحكة بالفعل حتى النوم وأحيانا الموت.