"الضوء الأزرق " في مشرحة يراعات

 باسمة التكروري

في أول حلقة جدل ، والتي انبثقت فكرتها عن اجتماع أصدقاء يراعات في رام الله الشهر الماضي، تم عرض كتاب " الضوء الأزرق" للكاتب الدكتور حسين البرغوثي، في قاعة مركز الموارد/مؤسسة تامر، رام الله يوم الأحد الماضي، حيث وقف على مشرحة يراعات، عدد من أصدقاء يراعات، وأعضاء هيئة التحرير التنفيذية، وبعض متطوعي المؤسسة، كما حضرت الحلقة الكاتبة روز شوملي ، وجيهان الحلو مدير ة المؤسسة. افتتح الجلسة رائد أبو يوسف/هيئة تحرير يراعات ، بتعريف عن حياة الكاتب ، وعن مؤلفاته، وقد استخدم معن سمارة /منسق يراعات ، مقالة (تداعيات "الضوء الأزرق) للكاتب زيد أبو العلا ، وهو روائي فلسطيني مقيم في غزة،  لعرض الكتاب وفتح باب النقاش .

داخل النقاش طرحت الكثير من النقاط و القضايا الجذرية حول الكتاب مثل "أنا" حسين/الراوي، و سبب تعرف الكاتب على أصدقائه المشردين في سياتل، شخصية بري وعلاقتها بشخصية حسين البرغوثي، طفولة الكاتب وأثرها على حياته من خلال تسلسل السرد الروائي للسيرة، الخير والشر من منطلق الذوق الفردي الذي دعا إليه بري، وقضية الفوضى الزمنية في تسلسل الأحداث .

 من خلال الأحداث الصغيرة في الكتاب تطرق الحضور إلى أهم الأسئلة التي تثيرها قراءة كتاب كهذا. مثل الشلال الذي طلب بري من حسين أن يحدق فيه، وعلاقة الذهن بالفن، الحجر وتقديس الأنا في مطلق الأنا أم في فراغها ، كوب الشاي وكيفية التمييز بين الذهن ومحتواه، العقل الموحد أو العقل الحر، وذكاء حسين الطفل/السطل/الأهبل/العبقري_كما ذكر حسين عن طفولته، اللون الأزرق وخوف حسين من البحر الذي لحقه كابوسا في طفولته. الوحش الأزرق أو المارد الذي ظل هائجا يرعد في نفس حسين، جعل منه مخلوقا لا يكل ولا يمل من البحث الدائم والمتواصل عن ذاته داخل ذوات الآخرين، وجعله ينتقم من عزلته التي فرضها عليه عدم فهم الآخرين حوله له ولعقليته طفلا، من خلال صداقته لتلك المجموعة من غريبي الأطوار نسبة إلى مجتمعهم: المتسول، ومنفصمة الشخصية، والمشرد، وحسين ، مجموعة من المهمشين الذين جعلهم حسين أدوات عن طريق إظهارهم في روايته، واستخدمهم ليقول نفسه أو كي يجيب عنها، فنفسه داخل جسده المحموم بمتاهات عقله الحائر دوما، الباحث دوما، المتسائل، المفكر دوما، لا يكفيها رأس واحد كي يحكي عن ما فيها، ولا تكفيها تجربة واحدة كي تعبر عنها، ولا ردة فعل واحدة ، ولا نفس واحدة.

 حسين البرغوثي في الضوء الأزرق لم يكن مجرد مشردا، لم يكن مشردا حتى، بل حاول أن يتشرد كي يتجرد من ألم غربته، هو أراد أن يجد مجتمعا يتقبله على غرابته/طبيعته .

 فوضى الزمن!

الزمن في رواية أو سيرة حسين البرغوثي كان زمنا ملتويا لا يعرف التسلسل الذي نعرفه، بل كان تسلسل زمن في ذاكرة عشوائية، تنتظم عشوائيتها أمام تداعيات التجربة فقط، ففي الرواية يكون الخيط الواصل بين الأحداث والشخصيات والذاكرة، هو التجربة نفسها، حيث قام حسين البرغوثي بوضع الزمن في قالب يوحي بطريقته في محاولة تعلم كيفية التعلم من تجربته، حيث يصبح الزمن هامشيا أمام الأحداث الأكثر أهمية، وتصبح السنة والسنتين أسهل تلاشيا في الذاكرة أمام ما أسهب في بلورة شخصية السطل العبقري البرغوثي/الطفل / الكاتب/ الفيلسوف/ الواقف على عتبة الجنون ، زمن يليق بكاتب كحسين وكتاب كالضوء الأزرق، يحمل دسما تركز في داخلة الكاتب من خلال معاناته، وتدسم أكثر وأكثر حين بدأ الكاتب يرتق اهتراءات ذاكرته بخيط واحد أزرق جعل من بقايا ملابس الذاكرة المختلفة والمتنوعة قطعة واحدة لا هي بالبنطال ولا هي أي نوع نعرفه من الأردية.

   ملبوس/شراع/سفينة/تحربة! ذوق شخصي ؟

يعرض الكاتب فكرة تقييم الخير والشر _ على لسان بري_عن طريق الذوق الشخصي، ومع أن القضية فلسفية نوعا ما، وقد تفسر من جانب أو من آخر على أنها منطقية تماما، إلا أن الذوق الشخصي هو نتاج تفاعل جماعي، ونعرف جميعنا أن ذوق الإنسان كفرد إنما يتبلور حسب حصيلة ما تعرفه التجربة، وحسب قدرة الفرد على التفاعل مع العالم حوله.

 ذكاء الهبل !

 من خلال ما يصف حسين في حديثه عن طفولته، يتوقف عند المصعد، ويراقب الخارجين والداخلين إليه، فتقوده مخيلة الطفل إلى الظن بأن في المصعد سحر يحول أشكال الداخلين فيه لأشكال أخرى، فتدخل فتاة المصعد، خارجة بعد دقائق قليلة رجلا في عقده السابع مثلا، واكتشاف حسين الطفل لكيفية إيقاف المصعد التي ساعدته على كسب المال، وباقي أحداث طفولته تدخلنا إلى عالم نفسية هذا الطفل الذي كبر يندهش دون أن يظهر ردة فعل قد تقبل أمام ما يقابله من أحداث، أو ردة فعل تمنطق تفاعله مع الدنيا حوله، ردة فعل واحدة فقط، سكن بعدها إلى فراغه الخاص، ليصبح استثنائيا وسط استثنائي /مشردي سياتل. الطفل "الأهبل / السطل" الذي كبر حتى الثانوية العامة ليصبح "العبقري" بعد اشتراكه في المسابقة والفوز فيها، كلها ألفاظ مجتمعية لم يتقبلها حسين، ولم يشعر بها كألفاظ تصف ما كانت عليه حالته الفعلية، وحالة الإذلال التي فرضها عليه تميزه داخل شخصيته الطفل، كل ذلك تمركز وشد تجربة حسين، لتصبح هيكلا تميزه كهولته بنفس المستوى الذي تميزه طفولته فيه، وتنتشر على الهيكل دلالات على ذكاء مفرط، أو ذكاء بالهبل، فهو يستنطق واقعه الأجرد من خلال تسكعه في غابات الجامعة في سياتل، ومن خلال نقاشاته مع مجموعة الهبل أيضا الذين تفاوت هبلهم/ذكاءهم حسب تفاوت تكويناتهم المعرفية والحياتية ، كي يخرج بنظريته هو، بآناه التي يريد لها أن تكبر سياتل، وتكبر الكرة الأرضية، والتي قضى بالتفافه حولها على صداقته ببري/ نبع الفكر ،والذهن، والنقاء الذي حافظ عليه بري داخله، وحافظ على تعويذته. تنتهي الرواية أو السيرة كما تبدأ دون أن تبدأ ، فهي تنتهي دون أن تنتهي، تترك سؤال حسين موجودا، وسؤال القارئ أيضا، وتترك سحابة زرقاء حائرة، لا تمطر ولا تترك السماء . تنتهي الرواية إلى لا إجابة، وإلى لا اعتيادية، وإلى جنون على وشك الجنون، لا نعرف أين الكاتب منه الآن .