من شاتيلا الى الوطن

إلى أين بعد؟

سمر شعبان 14 عاما / مخيم شاتيلا

 

مللت من الترحال. وأصبحت أخاف من التعلق بالأصدقاء.. أخاف من التعلق بالأماكن.

من "شاتيلا" إلى "المزرعة" إلى "الأوزاعي" إلى "شاتيلا" إلى "الروشة" وبعدها إلى "شاتيلا"… وإلى أين بعد؟!

في مخيم شاتيلا ولدت، فبدأت حرب المخيمات بعد سنة فقتل والدي وأختي. تركت وأمي واخوتي وانتقلنا إلى المزرعة، إلى بناية كان يسكنها مهجرون فلسطينيون ولبنانيون.

في بيت المزرعة المؤلف من غرفة ومنافعها كانت طفولتي. فبيتي الأول في شاتيلا لم يكن يعني لي شيئا. كنت صغيرة عندما تركته ولم أكن بعد قد تعلقت به. لم تكن الأمكنة تعني لي شيئا ربما حينها.

في المزرعة بدأت اكتشف العالم. أربع سنوات في المزرعة علمتني أشياء كثيرة. عرفت مع جمانة سامية بلال نضال نهال وآمال معنى التعاون من خلال تقاسم السكاكر التي كنا نشتريها معاً أو من خلال جمع عيديتنا والذهاب معا إلى مدينة الملاهي.

في الخامسة من عمري، يأخذ صاحب البناية أمرا بإخلائها من المهجرين: نحن. ذهب نضال ونهال إلى الحرش وسامية إلى الحمرا وجمانة إلى شاتيلا. أما نحن فتركنا في باص صغير إلى الأوزاعي حيث استأجرت أمي بيتاً صغيراً.

قضيت اليوم الأول في الأوزاعي وأنا أبكي حتى جفت أعيني من الدمع. خفت من هذا المكان وافتقدت فيه أصدقائي وجيراني في المزرعة لم أسكت حتى وعدتني أمي بأننا سنقوم بزيارتهم في القريب العاجل.

وتحت التينة في الأوزاعي ومع منال وزينب وحيث كان يغني لنا والدهما "مبارح تحت التينة قلتيلي بتحبيني" بدأت احب المكان وأصدقائي الجدد. ولكن ما أن بدأت أشعر بالأمان في بيتي الجديد حتى قررت أمي الرحيل إلى شاتيلا إلى منزلنا!! إلى المنزل الذي ولدت فيه ولم يكن يعني لي الكثير.

دارين، حليمة، سهيلة، رشا، إنصاف، محمد، إيهاب، صبحي وعثمان: أصدقاء جدد أحبوني وأحببتهم ولعبت معهم القريمشة والشدة. وأم محمد أمي الثانية كانت تغنجني كثيرا وكنت في معظم الأحيان أصحو لأجد نفسي قد قضيت الليل بقربها.

في شاتيلا تعلمت أني فلسطينية كصبحي وعثمان ورشا، وأن نهال ومنال أصدقائي في المزرعة كانوا لبنانيين…

بعد حوالي السنة تزوجت أمي وسلمتنا إلى بيت جدي الذي يقطنون في الروشة في بناية العطار للمهجرين.

مكان جديد… هل سأحبه ويكون لي فيه أصدقاء.. هل سأجد هناك أم محمد ثانية أو نهال وأحمد ورشا وآخرين!! ولكن ماذا لو أحببتهم واضطررت إلى تركهم ثانية لا لن أدع نفسي أحب المكان ولا أهله.. لكن بائع البوظة وتجمع أهالي البناية حول سيارته عند المغرب، البحر والمشي على الكورنيش وضجة الروشة جعلوني أحب المكان وأهله.

وفي ليلة بينما كنت عائدة مع اكتمال ونسرين من كزدورة المغربية نقرأ على حائط البناية "يجب إخلاء البناية من السكان خلال عشرين يوما تحت طائلة المسؤولية".

حزم الأمتعة ووداع المكان إلى شاتيلا مرة ثالثة. إلى بيت غير بيتي الذي ولدت فيه الآن إلى حيث أسكن أعرف الكثير من الصغار والكبار ولكني أحاول دائما أن لا أحبهم كثيرا.. ولهذا فالكل يتهمني بأني قاسية! ربما ولكني لا أريد أن أحب أشخاصا ربما سأفترق عنهم بعد حين. فبين شاتيلا والمزرعة والأوزاعي وشاتيلا والروشة وشاتيلا تعلمت معاني كلمات وعشتها تعلمت وعشت الفراق والوداع واللا استقرار ولكن هذه الأمكنة لم تعطني أبدا الشعور بالأمان.. لم يدعني رحيلي المستمر أتعلق بها.

أنا الآن في شاتيلا ولكن من يدري أين سيصبح مصيري بعد حين.. لا أريد أن أترك شاتيلا إلا إلى فلسطين… إلى حيث أنتمي.. أليس من حقي الاستقرار ككل البشر في مكان ما. في مكان يكون لي فيه بيت يشعرني بالأمان ويحتضنني وهذا المكان لن يكون إلا هناك في فلسطين.