أغاني زمان....
ابتسامة جرح في ذاكرة حية لا تموت

رامي مهداوي

تنهد الحاج أبو صالح الصافي، وبدت عيناه تستذكران عالم آخر بنظرات ممزوجه بالدموع سارت في تجاعيد وجهه؛التي رسمتها أوجاع الماضي وظلال الأسى مشكله إسطوانة من الكريات القديمة بعد عمر أكثر من 80 عاماً حيث يقول:   (( اسمع يا ابني… أيام زمان هي أيام السعادة ...الناس كلها بتشارك في الأفراح والأحزان والكل بيجي على العرس اللي كان يدوم اسبوع بيجوا فيى الحداي يغنوا والرجال تدبك )).

وأخذ الحاج صافي يغني:

ياماخذ السمره شوبدك فيها               ياماخذ البيضة حرير اكسيها

يا رمل البحر دوبو يجليها                تسوى من السمره ربع مليونا

أنا لعن عنين النحل بدواه                 ويا جرحي غلب الحكام بدواه

وربي ماخلق داء بلا دواه                سوى علتي مالها دوا

 

في هذه اللحظة تدخلت الحاجة أم صالح الصافي  بروح الفتاه التي تعشق  الأفراح  لتتحدث عن أفراح النساء في قريتها المسلوبة بيت نبالا(( بتجمع أم العريس كل نسوان البلد كل يوم لمدة إسبوع نغني ونطبخ )).

وبعد إلحاح طويل تغني لنا الحاجة أم صالح بسبب رفضها للغناء، لأن الوقت غير ملائم بدأت تغني بصوت منخفض:

عريسنا ياناس مين قال عنه أسمر

أبيض من الجبنة وأحلى من السكر

عريسنا ياناس مين قال عنه أسمر

أبيض من الحليب ومزين الصفين

عريسنا ياناس مين قال عنه أسمر

أبيض من الجبنة وأحلى من السكر

عريسنا ياناس مين قال عنه أسمر

أبيض من الحليب ومزين الصفين

 

أما عن ليلة الحناء فقالت الحاجة ام صالح (( بنروح على دار العروس ومعنا الحناء ومنصير نغني )).

 

حناك هيله بهيله                            ونقوشك هاظ كله

ما بو خذك إلا فلان                        واللي فاتك يادلو

اصمدوها في الفترينا                      عريسنا وجاي من سينا

إتمخطري يا زينة                          يا وردة جوى الجنينة

إتمخطري روحي وتعالي                  شوفي عريسك هالغالي

 

وبابتسامة ممتلئة وقف الحاج أبو صالح وقال : اسمع شوكنا نغني للعريس بعد ما يخلص من حمام العرس ....

طالع من الحمام                 وعريقه ناشف

يا ميمه فلان                    حسبته كاشف

طالع من الحمام                 وعريقه مغربي  

ياميمة فلان                      محفوظ للنبي

 

 

وتقول الحاجة سعدية الشهوان من مواليد عام 1930، التي خرجت من اللد وعمرها 14 سنة ، وتسكن الآن مخيم الجلزون.

(( أنا بدي احكيلك عن الطهور في بلدنا ...والطهور في بلدنا إشي مهم كنا بنوزع أيامها الحلو على الجيران ونطبخ رز ولبن للعيله)).

ومن الأغاني الشعبية التي كانت تغنى في عملية الطهور .......

طهر يا مطهر وناوله لأبوه              يا دموع الغالي سقطت على تمه

طهر يا مطهر وناوله لأمه               لا تعريه ولو بخلق طيقه  

وطهر بالنيه                                 فلان العزيز الغالي 

 

بصوت حزين أخذت تسرد الحاجة أم عارف الخطاب البالغة من العمر 78 عاماً من مواليد الهادار في حيفا؛كيفية توديع ابنها عارف الذي سافر إلى الخليج _ لا تعرف أي دولة _ وذلك للعمل هناك .

ولم يعد عارف حتى هذه اللحظة وبدأت تغني ....

يما يا حنوني ...عبيلي الجرى ....

بعطش بالصحرى ....

والكويت بعيده....

 بعطش بالصحرى...

يما يا حنوني ...عبيلي الجرى ....

 

 

 

 

 

وتلتقط الحاجة أم عارف مرة أخرى أنفاسها لتغني على وتر الدموع......

حطو البيارق على الجمل

وبخاطرك يا بلادنا

وبلادنا اللي جفتنا

تحرم علينا سكونها

 

لا يبلادنا يم العنب والتين                 ليش إحنا هاجرنا وغيرنا مقيم

لا يبلادنا يم العنب الأحمر                ليش إحنا هاجرنا وغيرنا توطن

 

لكتب جريدة على الصخرة والحرم لكتب جريدة

ليش إحنا هاجرنا هيك الله بريده

لكتب جريدة على الصخرة والحرم لكتب جرايد

ليش إحنا هاجرنا هيك الله رايد

إن أكبر جريمة في القرن العشرين هي اغتصاب أرضنا وتشريد شعبنا وإقامة هذا الكيان السرطاني المجرم القائم على العنف والذبح .

لكن يجب منع وقوع جريمة أخرى وهي اندثار ثقافتنا الأصيله، ومن هنا فإن الادب الشعبي الفلسطيني الذي يشكل حجر الأساس لثقافتنا، يعكس مدى إنتماء أجدادنا ويكشف أيضاً العديد من العادات والتقاليد الفلسطينية.