مخيمات مدينة رفح… تجربة في تفاصيل الموت

إبراهيم الشطلي
غـــــزة

من غزة انطلقت متجها إلي حيث يقطن اللاجئون الجدد، وحيث الاغتراب القصري عن البيت أو الوطن الصغير ، كانت هناك بقايا ملامح أو صور من كانوا في يوم من الأيام يتنفسون معنى الهواء، أو كنا نمرح معهم  ونتبادل أطراف الكلام مرة عن يافا ومرة عن حيفا و عن يبنى و المجدل و الناصرة و و .......

وكان لا ينقطع الكلام ، وفجأة بدأت أحبالنا الصوتية تخرس وتلتزم الصمت قسرا ، فمن كنا نحدثهم ويشاركونا هّم الحياة اصبحوا الآن في دائرة اللاحياة .

في غزة كانت هنالك جدران ومساحات رغبنا في أن تكون مسرحا للكلام  ومعرضا في الجانب الآخر منها لصور من كانوا  يومها هناك.

ولكن كلما اتجهت جنوبا، بدءا من موقع ميناء غزة الجديد على ساحل البحر لن تجد جدرانا تتيح لك الكلام ، فهناك الموت والصمت متلازمان ، والذي أصبحت مكاتبه قائمة حطام ، ومرورا بأول حاجز يقطع أوصال محافظات غزة عن بعضها ، علما بأننا قد تجاوزنا حاجزا آخر لن نستطيع المرور منه إلا بالتفافنا عليه بالطريق الساحلي هذا ، فزرقة المكان تهديك طمأنينة لطالما افتقدتها طوال العام وخضرته في الجانب الآخر تلبسك هيبة وجلال من افتقدناهم طوال العام.

ولكن وباستمرار مرورنا على هذا الحاجز الأحمق  والذي أنشأ على طول الطريق الواصل بين وسط وشمال غزة  وجنوبها بطول مائتي متر، وبعرض مساحات الأرض التي كانت في يوم من الأيام حقلا للبرتقال وأشجارا للنخيل و أصبحت الآن سمادا طبيعيا لها إن حانت الفرصة لزراعتها مرة أخرى -حينها حقا أدركت كيف تزلزل الأرض وتقلب أعلاها لباطنها والعكس.

ناقوس الخطر يأتي من احمرار الإشارة الضوئية  التي تأذن بمرور سيارة مستوطن أو سيارة النفايات تتجه من مستوطنة لأخرى بدلا مني وقد تضطرني للوقوف ساعات وساعات ليتسنى لي عبور هذه المئتي متر و حينها تعود خضرة الإشارة الضوئية وتأذن لي باستئناف الحياة . 

ويستمر المشوار الذي بدأناه  وتكون المحطة الأولى هي رفح وهنا حقا تبدأ المأساة ، حطت أقدامنا أنا وزميلتي نبيلة حسن التي صاحبتني في هذه الجولة على ارض رفح و حينها كم كنت اشعر بالاغتراب فمنذ فترة طويلة لم استطع زيارتها أو حتى زيارة أختي التي تسكن هنا، والاطمئنان عليها إلا فقط عبر الهاتف أو بانتظار الوقت المناسب والآمن لتتمكن من زيارتنا - هي فرصة سعيدة لي لأتمكن من زيارتها وأرجو أن لا أتيه عن منزلها - كان هذا ما يدور في عقلي ولكن أنظارنا كانت تتجه نحو تلك الخيام ، إنها حقا خيام كالتي أتذكرها أو استذكرها حينما كان والدي يتحدث عنها وقسوة معيشتها ، وكأن أرشيفا كاملا أصبح يتقلب في ذاكرتي من أفلام تسجيلية كنت قد حرصت على مشاهدتها أو معارض صور تؤرخ ذاكرتنا أنا وأبي وجدي ، كل ذلك وأنا أتفحص المكان الذي يبدو لي وكأني لم أزره من ذي قبل ، بدأت خطانا تحثنا للبحث عن دليلنا السيد سامي طه الذي كان متطوعا ليساعدنا في التعرف على حكاية المكان أو إيصالنا لبعض الأسر المنكوبة ليتثنى لنا الحديث معها عن حكاياتهم وعن بقايا ملامح أحلامهم  التي تشتت في ثنايا الحياة في هذا الاغتراب القسري الجديد إلى أن التقينا دليلنا ، واصطحبنا معه إلى تلك الخيام ، خيام خالية إلا من هموم أصحابها ومعاناتهم ، وهناك التقيت مع الحاج محمد عبد الكريم عبد العال البالغ من العمر سبعين عاما ، وهموم تعترض تفاصيل وجهه فبدأ يقص لي حكايته ، ويقول بدأت حياتنا في خيام وها هي تنتهي بخيام ، هاجرت من بئر السبع مع والدي وعائلتي تاركا أرضي ومنزلي وأصدقائي ، وتقلبت بنا الحياة ، فقد حضرت ثلاثة حروب في العام 48 وال 56 وال 67 بجانب الجيوش العربية ، وها هي الأقدار تدور بنا فبدأنا مشقة الحياة وعانينا الأمرين ، وكانت حياتنا تمتزج بالبؤس والشقاء ، وكنا نبحث عن غطاء نحتمي به من قسوة البرد القارس ، أو عن جدار نلوذ إليه حينما تشتد الرياح ، إلى أن استطعت أبني من صدأ أسناني -حسبما عبر- بيتا وأملك أرضا بمساحة النصف دونم  كانت تعيل عائلة تتألف من ثلاثة وثلاثين فردا ، فأولادي تسعة ضاقت بهم الأحوال وبعدما كانوا عندي تفرق شملنا وأصبحنا أربع عائلات كل منا يقطن بيتا مستأجرا صغيرا ضيقا كما تضيق بنا الحياة من إيجار ومصاريف كهرباء ومياه ، هذا عدا عن الأثاث الجديد بدلا من الذي ضاع كما ضاعت الأرض والبيت مع أدراج الرياح في ليلة سوداء لم أشهد أسود منها من ذي قبل ففي تمام الساعة الثانية صباحا صحوت أنا وعائلتي على أصوات الدبابات وجرافات الاحتلال وهي تطلب منا مغادرة منازلنا وإلا جرفت فوق رؤوسنا ، حتى ملابسنا وأشياءنا الخاصة ، ولا تتصور كيف ذلك أفرع الأطفال حينما توقظهم بسرعة كي لا تفقدهم.

 ولسنا الوحيدين فكل يوم كانت تأتي الجرافات ليلا ، وتهدم منزلا أو اثنين ، ولا تعرف من سيأتي عليه الدور بعدنا ، اذهب إلى هناك وانظر كيف أصبحت بيوتنا رمادا تستوي والأرض ولا نملك أن نعيد بناءها ، ولا أن نستطيع البقاء بها ، ومازلنا ننتظر ..!! فسمعنا وعودا كثيرة ومازلنا نسمع ...... ، ولكن لم نر أي شيء على أرض الواقع ، سمعنا أنه قد صرفت لنا مساعدات ، وبأن وكالة غوث اللاجئين ستعيد لنا بناء منازلنا على أرض ستوفرها المحافظة ، ولغاية الآن يبحثون عن هذه الأرض ، كلما راجعنا في ذلك يقولون لنا بأنه غدا أو الأسبوع القادم وقد تصل إلى أن يقولون لنا الشهر القادم ، فكيف لنا أن نستطيع دفع الإيجار لأربعة منازل جديدة توزعت عائلتي عليها للسكن فيها ، هذا عدا عن تغطية مصاريفها ، فأولاد أولادي يضطرون لدفع ضعف إيجار المواصلات للوصول إلى مدارسهم يوميا ، وأحيانا يضطرون للتغيب عن المدرسة لعدم توفر المواصلات ، هذا عدا عن اضطرارنا لشراء حقائب مدرسية جديدة ودفاتر وأقلام بدلا من التي ردمت تحت أنقاض المنزل ، غير أننا فقدنا مصدر رزقنا في الأرض التي كنا نزرعها ، وأنت تعلم أن الوضع الاقتصادي سيء .....

وحينما سألته عن وجه الاختلاف بين تجربة اللجوء الأولى وهذه ، فكأنما قد فتحت له جروحا لم يشأ أن يذكرها ، وكأنني شعرت بأنه لم يرغب بالكلام فقال وبعفوية وكأنه أيقن بأن اللجوء والتهجير القسري أصبح قدره الذي يلازمه في الحياة وبلهجته الجنوبية قال " بأن هذا الخد قد اعتاد على اللطام ( أي اللطم ) ، فأول العمر في خيام وآخر العمر في خيام ، فهذه عيشة (خـ.....) " ....!!!

وحينما سألته عن ماذا تعني له الخيمة ، فانتفض منفعلا وسحب يدي وأشار إلى مكب للنفايات يتوسط موقع الخيام وقال إنها بؤس ومهانة ، وسألني مستطردا أتعرف معنى البؤس ، إننا نسكن بجوار النفايات والقمامة ، موتنا أفضل.... هذه ليست حياة ، حتى بيتي هذا الذي دمر لا يغنيني عن أرضي وبيتي في بئر السبع ، اذهب وافحص تلك البراميل " وكان يشير إلى براميل مياه مخصصة للشرب للاجئين " اذهب وافحص إن كان فيها نقطة مياه واحدة .....

وهنا شاركنا جار الحاج محمد بالخيمة الشاب محمد زكريا غنيم البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما ، والذي يعيل عائلة من ستة عشر فردا ، سكنها بعد أن هدم منزله الذي تبلغ مساحته مائتي متر في أرجاء بعض المترات المحاطة بألواح الزينجو والمسقفة به أيضا كما قال ، فاستطرد يقول بأن الخيمة أصبحت مذلة ومهانة ، فكيف يكون الحال حينما تخلع من منزلك وأرضك ، وتجد نفسك في الشارع دون مأوى يحميك من بطش الشتاء القادم ، ورياحه ، قل لي كيف تكون الحياة ، فوالدي لديه اثنا عشر ولدا والذي كانت مساحة بيته ألف متر قبل أن يهدم والذي كان يسكنه هو وبقية اخوتي ، خمسة منهم يذهبون إلى المدارس ، هذا عدا عن أخي الذي يدرس في جامعة بيرزيت  ، والذي لم نستطع منذ فترة طويلة أن نرسل له شيكلا واحدا لضيق الحال وبرغم من أنه اتصل بنا مرارا يشكي سوء الحال المادي لديه ، فاضطررت أن أبيع أسوارتين من ذهب زوجتي وأرسلهم له ،، فما العمل ؟

لا مجال للكلام هنا، أو حتى إضافة أي تعليق آخر على ..

واتجهنا من مخيم اللاجئين الجدد في مخيم الشبورة بمصاحبة دليلنا المتطوع سامي ، إلى حي البرازيل ، وكنا قد تبادلنا أطراف الحديث عن بعض الحكايات وسبب هذه التسمية ، فكما قال بأنها تعود إلى الفترة التي كانت تنتشر فيها القوات الدولية في المنطقة منذ زمن بعيد والتي كان يقطنها أفراد القوة البرازيلية ، وبذلك اكتسبت اسمها هذا ، وهي المنطقة الملازمة والموازية للحدود الفاصلة بين رفح المصرية والفلسطينية ، وهنا المصيبة أفظع ، وكنا نقترب أكثر إلى موقع المنازل المهدمة وأصوات الدبابات والمصفحات يقطع علينا صمت المكان ويشوش تغريد الطيور وكأن المنطقة تخلو من السكان، سوى بعض  الأطفال الذين يخرجون من باب مركز الخدمة العامة،  ويلتصقون بالجدران والذي يقدم  خدمات مجتمعية لمن تبقى من أهل الحي ، وهنا يلفت انتباهنا رجل ابيضت  لحيته ، يفترش الأرض مستندا إلى حزمة من الأكياس الممتلئة بالرمل ليحصن بها نفسه من أي رصاصة مفاجئة أو عابرة في أي لحظة دون سابق إنذار ، وكنا قد اقتربنا منه وكان قد تركنا دليلنا سامي وسلمنا إلى الدليل عبد الله والذي كان بانتظارنا ليكمل سامي عمله الذي أخرناه عنه ، فهذا الرجل كان أحد الذين تضرروا من هدم المنازل ، واضطر للجوء إلى حاصل استأجره وهو لا يبعد كثيرا عن منزله كأنه يقول بأني مغروس هنا ، ولا تتعدى مساحته الأربعة أمتار بعد أن تصدع منزله وأصبح آيلا للسقوط ، وتدمر منزل أخيه الذي كان يسكن بجواره ، وحتى منزله الجديد ( الحاصل) والذي تعاون على إيجاره هو وأخيه لم يسلم من رصاص الاحتلال وكنا قد رأينا ذلك الباب وكأنه مطرزا برصاصات الاحتلال ، ومن سعة الفتحات المخترقة للمكان تستطيع أن تميز نوع وحجم الرصاصة ، مما اضطره أيضا لتحصين بابه بأكياس من الرمل ، وكأنه يقول لن أرحل ....!!! ولن أكون  لاجئ بعد اليوم ؟ وليحافظ على ما تبقى من أثاث وأثواب ، استطاع أن يأخذها بعد أن تضرر بعضها من جراء ذلك ، وقال لي بأنه من بلدة  يبنى قضاء الرملة كأنه قرأ أفكاري وشعر بأني سأسأله عن بيته الأول ، أو لربما استذكر رحلته القسرية الأولى ، واستطرد يقول بأنه لن ينسى ذلك اليوم الذي رحل فيه عن بيته فكان يبلغ حينها اثني عشرة عاما ، وقال لي بأنه قد زارها في فترة السبعينيات آخر مرة ليطمئن على أرضه وبيته وليعرف أولاده بها ، وأخذ يقول بأنه لن يرحل بسهولة كما رحل والده في المرة الأولى. وبأنه يفضل الموت بين الأنقاض على أن يهاجر مرة أخرى ، وحينما سألته عن شعوره حينما شاهد أناسا أغراب يسكنون منزله وأولاد غير أولاده وأحفاده يلهون في أحراشه ، وآخرون يبنون فوق ما تبقى من أرضه ، فرد يقول بأنه مازال مؤمن بأنه سيعود وإن لم يعد هو فسيعود أحد أولاده أو أحد أحفاده ، وحينما كنا نحاوره كان يبدو عليه بعض الشرود والتأمل ، وأخذ يذكر وهو في حصنه المنيع ونحن معه بأن هذه صورة الطفل براء الشاعر والذي استشهد أمام عيني وأنا جالس هكذا هناك حيث تلك الشجرة ....فبراء والذي استشهد بعدما غادر مركز الخدمة العامة والذي يتلقى فيه بعض دروس التقوية ، حينما انهمرت رصاصات الاحتلال بغزارة في هذا الشارع والذي بعد أن هدمت بيوته أصبح مكشوفا مباشرة على السلك الحدودي ، وبذلك أيضا التجأ براء إلى ربه محتسبا نفسه ونفس من سبقوه في أرجاء هذه الأمتار المربعة ، فخلد أهل الحي ذكراه بغرس شجرة في نفس الموقع الذي سقط فيه شهيدا بريئا  من دم يوسف .........

فهل أكون قد أوفيت هذه التجربة حقها ، فكل كلمة قالوها لها في حياتهم ألف معنى قد لا أفهمه أنا ، فتلك اثنان وثلاثون خيمة تمثل اثنين وثلاثين عائلة كانت محطتنا الأولى .... هذا عدا عن تلك الخيام التي تنتشر في أرجاء حي البرازيل وتزاحم حطام منازل من سكنوها وأزقة شوارعهم ، هذا عدا عن خيام مدينة خان يونس ، والتي لم نتمكن من زيارتها حيث كانت دبابات وجرافات الاحتلال تستعد لهدم المزيد من المنازل ولم نستطع الوصول إلى تلك المنطقة ، فكان في أرشيفنا بعض الصور التي قد تكون أبلغ مني في عرض المشهد ، والذي أصبحت أضيق به وبالمكان كما بدا لي بأنه قد ضاق بأصحابه .... ففكرت باللجوء الى أختي هناك في مخيم الشبورة إذا كان عنوانها مازال عالقا في ذهني  ، وان اضطررت للسؤال .!!

فتلك المأساة مر على بعضها شهر أو شهران وبعضها مر عليه ما يقارب النصف عام ، ولم يحرك أحد ساكنا أو يوقف تلك المأساة ، ومن يدري قد تنضم إلى تلك الخيام خيمة أخرى أو أكثر ربما اليوم وربما غدا ، فهل تكون نهاية بعد ثلاثة وخمسون عاما لتلك المأساة (لاجئ) ؟؟؟!!!