|
بين الأزقة الصغيرة.....
نور العباسي جلست هناك اسمع أحاديثهم الخافتة المليئة بالألم والذل والقهر، كانوا يتحدثون و كأن الحديث سيغير واقعا ذليلا يعيشون به ، أخذت أسمع و أنتقل بينهم ، فلم يكونوا بحاجة للسؤال عما يعانون ، فهم يتكلمون عن كثير من الأشياء التي لم تخطر على بال أحد منا ، فقد جلست طوال الليل ، أرتب بأسئلة الحوار وحاولت قدر الاستطاعة تصور تلك المأساة، ولكنني ذهلت عندما اكتشفت أن كل ما اجتهدت به لم ولا يمثل شيئا من الواقع وانهم لا يحتاجون لأي سؤال من أسئلتي فهم يتلون القصص القصة تلو الأخرى ونحن نجلس بينهم نتألم لكل ما نسمعه وكأننا غرباء!!!!مع أننا لسنا بعيدين كثيرا عنهم ، ولكن يبدو أن كل زقاق في هذا الوطن الصغير قد اصبح قضية مستقلة تحمل من المآسي ما يشغلها عما حولها . وبينما كنت انظر إلى أوراق حواري الأحمق سمعت أحد الجالسين يصرخ ويتكلم بحرقة لا توصف فشدني فضولي لسماع كلامه وعندما ذهبت بدأت القصص تتساقط على رأسي كالأمطار العاصفة ............ "ترك بيته وذهب ليزور أهله مع أطفاله فعاد و بحث عن بيته ولم يجده !! هذه هي أولى تلك القصص قصة ذلك الرجل الذي وضع كل ما يملك لبناء المنزل ويؤثثه به وليعيش فيه ، لا يملك آي شيء آخر يأوي إليه في هذه الدنيا إلا بيته كما هو حال اغلبنا ، و لكننا لا نزال في بيوتنا وهو ما زال يبحث عن بيته إنه متأكد من انه المكان الصحيح ، هذا مكان بيته ولكن لا وجود للبيت لا وجود لشيء إلا ركام وحجارة متناثرة وبقايا صورة ابنته الصغيرة ، وطفله يبكي على لعبته التي تحطمت لم يقدر عقله استيعاب شيء من تلك الكارثة سوى أن لعبته تحطمت ،لم يكن يدري انه اصبح بلا بيت وبلا شيء يملكه ، اصبح الآن لا يملك إلا خيمة تأويه إن حالف أبيه الحظ ووجدها . صور الخيام يمر في عقلي كشريط سريع وصور أطفال عراة ، أناس بلا ارض وبلا وطن صغير خاص بهم يأويهم ، ذعرت من تلك الأفكار وذهبت مسرعة لتجذبني قصة أخرى : "قصة الرجل الذي لم يستطع حماية أشجاره وبيته ،فهو يعيش في منطقة قريبة من المستوطنة اللعينة والجرافات التي تكره الأشجار ، ففكرة وجود هذا البيت الكئيب بما فيه تزعجها لهذا قررت أن تزيله تماما وان تحوله إلى ركام على أصحابه فلا يهم كثيرا فهم لا قيمة لهم بالحياة بنظرها !! و الآن هو و أخوه و عائلتهما الكبيرتان يعيشون في غرفة صغيرة قريبة أيضا من المستوطنة ، الغرفة مليئة بالثقوب الناتجة عن الرصاص الذي كان يطلقه الجنود الإسرائيليون وقتما يشاءون فينخرون الجدران وإصابتهم أشبه بأكيدة ، وقد كانت في أول الانتفاضة ساترا للكثيرين ، ومسرحا لاستشهاد الكثيرين لهذا حيثما تذهب هناك تجد بقع دماء جافة منذ شهور عدة على الأرض وعلى الجدران لا يوجد وقت لتنظيفها لأنه لا جدوى من تنظيفها فالمعادلة واحدة والمشهد يتكرر دائما ". وفي الزاوية المظلمة هناك تجلس تلك الشابة الصغيرة وتعيش بخان يونس تروح و تذهب إلى غزة كحال اغلب الموظفين وقصص الذل على الطريق تكاد تكون أضعاف عدد شعر راس واحد منا ، فعندما يحلو للجنود أن يفتحوا الإشارة لثوان معدودة وبعد ذلك يجلس الباقي ينتظرون بسياراتهم 4ساعات أو اكثر حتى تنتهي تلك المأساة ، فلا يهم وجود أطفال أو عجزة أو مرضى في تلك السيارات ولا يسمح لك بالنزول لتستنشق ذرات الهواء و إلا سيتم استجوابك والتشكيك بك وقد تكون إرهابيا !! نعود إلى تلك الممرضة الصغيرة فهي لا تحتمل هذا الذل ولا تحتمل أن تكون مسافرة من قارة إلى أخرى لمجرد أنها تذهب من مدينة لأخرى في وطنها الصغير ، ولهذا قررت أن تتمرد في مرة من المرات عندما خرجت من السيارة وتحركت نحو الجنود بلا وعي وبجنون تحمل بيدها حقيبة وباليد الأخرى مقص صغير جدا ومن ينظر لها لا يعتقد أنها يمكن أن تؤذي دجاجة صغيرة ،فلحقها أحد الشباب ممن كانوا معها في السيارة حتى لا يرشها الجنود بالرصاص وفتح حقيبتها ووجد بها وردة وورق ملون صغير لم أتمكن من تفسير موقفها ولم أتمكن أيضا من نسيان قصتها " . المهم امتلأ رأسي بتلك القصص التي لا حصر لها والتي هي واقعية لدرجة لا يمكن تصور مثلها بالخيال . ولكن نبقى ننظر إلى تلك المآسي التي لا نهاية لها . وتبقى الأسئلة والقصص تتضارب في رأسي حتى يكاد ينفجر لأننا نعيش في كل هذه المآسي التي لا يتصورها إنسان القرن الواحد والعشرين و لا حتى في أقصى خيالاته التراجيدية ويبقى السؤال هنا من يسمعنا والى متــى ؟ |