|
الطفل بين الكتابة والخيال رزان شوابكة ليست الكلمات في النهاية إلا الشكل الأخير من صور وأفكار تسبح في مخيلات الأطفال تنطبع فيهم ذكرى مرور الأيام وشواهدها، وإن استطعنا الغوص أكثر في تلك الكلمات المرتبة ببساطة شديدة ووضوح طفوليّ برئ فإننا بذلك نجحنا في الوصول إلى الروح التي تعيش داخل ذلك الطفل. من هنا..كانت مسابقة كتابي الأول التي دخلت عامها السادس. واهتمت بموضوع الكتابة للأطفال ما بين 8 سنوات_14 سنة، تحت إشراف مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي. جاءت المشاركات هذا العام كثيرة و تحمل ببساطة أفكارا وصورا تختلف عن بعضها البعض، وكل كتابة تنقل تجربة معينة ومشهداً مرّ عليه أو خاض فيه الطفل، ولأن لجنة التحكيم لم تعلن بعد عن القصص الفائزة في المرحلة النهائية، تنشر يراعات اليوم عرضا للقصص التي نافست في المرحلة الثانية من المسابقة، علما بأن قصص المرحلة الأخيرة لم يحدد الفائز فيها بعد. يصف لنا الطفل بسام غازي أبو ختلة من مخيم الشابورة في رفح رحلته إلى القدس والصعوبات التي واجهت حافلتهم الصغيرة لتصل في النهاية في تمام الساعة الحادية عشرة إلى القدس. يقول بسام في مقدمة كتابه (أنا والقدس في رحلة):" لم أجد أروع ولا أجمل من ذلك اليوم الذي زرت فيه القدس الحبيبة، يوم مملوء بالحب والسعادة لذلك كتبت عنه لأصف لكم ما رأيت". خلال تصفح هذا الكتاب الصغير الجميل الذي لا تتعدى صفحاته 12 صفحة، فإن الرسومات البسيطة والمرحة تلقائياً في خطوطها تحملك إلى عالمك الصغير الذي كنت يوماً ما تحياه.يعود بسام ويصف لنا خروجهم من قطاع غزة فيقول:" ثم خرجنا من رفح متجهين إلى المنطقة الصناعية بغزة وأثناء السير شاهدت أشجار الحمضيات التي تملأ قطاع غزة…اتجه الباص باتجاه نقطة "إيرز" لعمل الإجراءات اللازمة للخروج من القطاع إلى الضفة الغربية( القدس)." بالرغم من جميع الأحداث المتتالية التي تمنعنا من محاولة النهوض عن الأرض، فأن الطفل يقفز عنها جميعا حتى يصل إلى (يوم تحرير فلسطين) هذا هو عنوان كتاب الطفلة ندى الميليجي من الخليل، حيث تبدأ قصتها بوصف العائلة التي تعيش بالقرب من الحاجز الفلسطيني، ثم تصف لنا حالتهم عند بدء القصف وفي النهاية تختم قصتها بقولها:" وهكذا تحررت فلسطين بقوة الفلسطينيين وعزيمتهم..وستبقى القدس عاصمة أبدية للفلسطينيين وفرح الشعب الفلسطيني بتحرير بلدهم." وهذه القصة أيضا لا تخلو من الرسومات الصغيرة والجميلة التي بالرغم من بساطتها فإنها تعكس عالماً من عوالم الصغار البعيدة عنا أحياناً وقريبة علينا أحياناً أخرى. "فهل سنعود إليه يوما؟!!" سؤال تختم به الجدة جميع تساؤلات حفيدتها الصغيرة في كتابها (مفتاح جدتي) للطفلة لينا عودة من غزة ذات الثمانية أعوام. تحدثنا لينا عن جدتها فتقول:" كانت جدتي تأتي لزيارتنا كل يوم جمعة، تلبس ثوباً غريباً، سألتها ذات مرة ،لماذا تلبسين هذا الثوب يا جدتي؟، فسكتت جدتي العجوز ونظرت إليّ بعيون حزينة قائلة: إنه ثوب المجدل كنا نلبسه أيام البلاد يا صغيرتي، وأخرجت من جيبها مفتاحاً أسود كبيراً." ما زالت الأشياء تذكرنا بالمكان والزمان ولا زال الأطفال يبحثون عن مكان لهم في تاريخ أجدادهم وآباءهم ليدركوا هذا الحاضر الذي يحييون فيه. (خانيونس التحدي) عنوان قوي أهدي إلى أرواح الشهداء الذين عاشوا في ذاكرة آلاء نزار حسن، 12 عاماً، من أطفال ونساء ورجال، في كتابها هذا تختلط مشاعر الألم الطفولي بمشاعر الفرح والسرور الضيق، وتمر من صفحاته أرواح وأخيلة الماضي المرتبط بالحاضر والمستقبل. آلاء تختم كتابها الصغير ببعض من أسماء الشهداء بمختلف فئاتهم العمرية. نأخذ هذا المقطع من كتابها الصغير:" ذات يوم وجدت نفسي بين المنازل، اسمع أصواتاً مرعبة، وعندما أخبروني أن الاحتلال يقصف بشكل عنيف المخيم الغربي، خفت… وفجأة أحسست بحرارة شديدة دخلت ساقي فسقطت أرضاً وأغمي علي.". لبنى الزرد /12 سنة تتحدث عن موضوع ضخم وكبير ومعقد إذا أمكن القول ألا وهو حقوق الطفل وتختصره في نقطة واحدة وهي أهمية تعليم الفتاة، صفحات قليلة تعبر من خلالها لبنى عن مشكلة حقيقية تواجهنا، فتفرض على نفسها تخيل واقع وحياة مختلفة عن التي تحياها الآن من خلال شخصية جميلة التي رفضت والدتها ذهابها إلى المدرسة وفي نهاية المطاف بعد التفكير والتأمل ينتهي الأمر بها إلى الهروب، لكنها تختم قصتها بقبول والديها بالذهاب إلى المدرسة مثل صديقاتها اللواتي كانت ترقبهن كل يوم من نافذتها في أثناء ذهابهن وإيابهن من المدرسة. شيرين نبهان/10 سنوات، تخبرنا عن فتى يدعى علاء في قصتها (القراءة مفيدة)، حيث أن هذا الفتى كان محباً للقراءة لكن الفقر كان يمنعه من شراء الكتب والمجلات التي ير يدها،وأمه تحاول مساعدته من خلال جمع الحطب وبيعه في حين أن أباه كان ميتاً، مرت الأيام والشهور والسنون واستطاع علاء شراء الكثير من الكتب ووضعها في مكتبة خاصة، وأصبح أصدقاؤه يلجأون إليه لاستعارة الكتب التي يريدونها. بقدر بساطة هذه القصة والخلفية الطبيعية التي تغطي أحداث هذه القصة إلا أننا نجد أن القصة كاملة متكاملة، في أحداثها وعناصر القصة: الشخصيات، الحبكة وإن كانت بسيطة وسهلة، والحل، ألخ…، كذلك فالرسومات التي تزين صفحات القصة جميلة ومعبرة وتحمل ملامح الحدث. ماذا عن العصفور الصغير الذي سقط عن شجرة التوت في مدينة غزة وأخذته صديقتنا هالة التي تبلغ من العمر 10 سنوات إلى بيتها فضمدت جراحه واعتنت به إلى أن شفي تماماً؟!! هالة هنية بعد طول تفكير رأت أن الحرية للعصفور أفضل بكثير من القفص فأطلقت سراحه وراح يغرد فرحا وعينا هالة تلاحقانه. هالة رسمت نفسها على صفحات القصة، طفلة صغيرة تحمل البسمة دائماً،ورسمت عصفورها الصغير ذا اللون الأصفر، جميل وهو الآخر مبتسم، كم هي جميلة المعاني التي تحملها هذه القصة. ومسك الختام ستكون قصة ليلى أبو شاويش/ 11 سنة و سمية الخطاب/ 13 سنة، في (الصداقة كنز لا يفنى)، تتحدثان عن مدلين طفلة شقية ومدللة ومغرورة، اشترى لها والدها لعبة جميلة بينما اشترى لأخيها عمر كرة ذات ألوان جميلة، فتذهب مدلين للحديقة ترى أصدقاءها وترفض اللعب معهم وتظل تلعب بلعبتها وحدها حتى استطاع الملل أن يسجنها داخل وحدتها، لتتنازل في النهاية عن غرورها وتكسب أصدقاءها. ما يميز هذه القصة ألوانها ورسوماتها الصاخبة التي احتارت فيها الألوان، أسلوب قصصي قوي وجميل وسهل. |