|
زياد خداش كاتب لاجيء يبحث عن هويته الشخصية، ويطارد خلف أحلامه من خلال اللغة، والكتابة في حوار خاص ب معن سمارة
من هو زياد خداش؟ في داخلي تتعايش رغبتان هائلتان مفترستان الأولى: الرغبة بتدمير العالم والأخرى الرغبة بعناقه روحي ساحة حرب طاحنة بين هاتين الرغبتين، لذلك أنا لا أستغرب الذهول المرير في عيون أصدقائي حين تحتدم المعركة داخلي فيما أنا جالس بينهم في مكان عام احتسي القهوة. هذا هو زياد خداش، الذي هو ليس أنا بل هو أشخاص غرباء آخرون ينتحلون حواسي وتفكيري، ويتناوبون على النطق باسمي، والغضب باسمي، والحب باسمي. بالكتابة أنا أرشو الوقت والأمكنة لأغادر إلى هناك حيث النهر والشجرة والعصفورة. حيث أنا.
زياد خداش يعيش في مخيم للاجئين، مخيم الجلزون… كيف اثر ذلك على أسلوبك في
الكتابة… هل ساهم وجودك في المخيم في بناء هيكلية كتابية خاصة؟ إن ذلك لا يعني انفصالا عن المخيم ، بل هو اتصال عبر الانفصال… إن الروح التي تكتب هذه القصص هي روح لاجئة محبطة مطاردة مشوهة.
المخيم أذن دفعك للشعور بالنقمة على العالم، والرغبة في التمرد من خلال
اللغة والكتابة والخيال.. أنا لم أستطع أن أقارب هموم المخيم الأرضية فنيا، واعتبرت هذا العجز محفزا لانطلاقة كبرى نحو آفاق أوسع كما قلت سابقا… انني ادين للمخيم ولحياتي فيه بهذا التحليق المبالغ فيه، والهروب الملتزم تجاه قضايا كبرى. قد تعتبرها ترفا أو كماليات، لكني اعتبرها أرضا لعذابي وشقائي.
لنبدأ في الجديد أولا… ما يقارب عام من الانتفاضة الأقصى… أين يقف المثقف
الفلسطيني بشكل عام، والكاتب بشكل خاص من ذلك… ؟؟ أما ما قد يرافق الانتفاضات والحروب من لوحات تشكيلية أو أغان حماسية أو قصائد مباشرة فهذا يدخل في باب التحريض والتعبئة ولا علاقة للفن بذلك. المثقفون لا يزيدون ولا ينقصون في إسهامات وانجازت الانتفاضة بسبب كونهم مثقفين، بل هم بحكم مواطنتهم وفلسطينيتهم العادية يتقاسمون شرف الصمود وخيلاء المقاومة عبر المشي في الجنازة أو الهتاف مع الهاتفين أو أي عمل نضالي آخر.
يبدو من كلامك بأنك غير راض عن دور المثقف الفلسطيني في الانتفاضة… بطريقة ما
أنت تتهمه بالتقاعس، وممارسة حياة الناس العاديين.. أيجب عليه القيام بدور
آخر؟…
ثلاثة وخمسون عاما من اللجوء… ثلاثة وخمسون عاما من الكتابة: أنني لا أمل من الاستغراب أمام حقيقة مؤلمة وهي غياب (مركز أبحاث اللجوء) حقيقي وفاعل علمي ، أشباه المراكز عندنا، هي أقرب إلى الوهم والاستعراض وهي موجودة لأغراض ديكورية جامعاتنا استغرب خلوها من هكذا مراكز ، نحن لا نعرف بالضبط متى وكيف ولماذا خرج أهلنا من القرى والمدن، حكايات أجدادنا وجداتنا الشفوية لا تكفي… بعد خمسين عاما سيختفي الأجداد ولن نجد شخصاً يحكي لنا ما حدث، فكيف سنوثق هجرتنا وعذاباتنا وأحاسيسنا وأحلامنا المحروقة القديمة؟ على الصعيد الابداعي كان هناك روايات ودواوين شعر هنا وهناك لكنها لم تقارب الهجرة واللجوء (أسرار وجذورا) فنياً بالمستوى الذي يتلاءم مع فداحة وعمق وقسوة التجربة. أنت تطرح الآن قضية إيجاد مركز لأبحاث اللجوء… دعنا نتساءل معا: كيف نستطيع أن نوثق التجربة بشكل أعمق، وبمستوى أبدعي مكثف… الكتابة الفنية عن التجربة شيء، والكتابة التوثيقية شيء آخر. أنا أدعو إلى تأسيس ( مركز لأبحاث اللجوء) لتوثيق أحداث التشريد وآمال وذكريات وأحلام اللاجئين. أما الكتابة الفنية عن اللجوء فأنا لست مؤهلا لها بسبب خياراتي واقتراحاتي المختلفة. هذا أبدا ليس ترفعا بل قد يكون عجزا عن القيام بذلك لنقص ( في الأحاسيس الوطنية التقليدية ) أو في الأدوات الفنية. أما عن امتلاء عالمي بالجنس والشهوات فهذا ليس سبة، أو اعتداء على أحد، فمن حقي أن تكون لي رؤياي ولغتي وهواجسي المجنونة ما دمت انجح في مقاربة عالمي هذا مقاربة فنية لا بالانجراف البيولوجي البحت والسطحي.
المرأة الفلسطينية الكاتبة… هل كانت تكتب بنفس التوجه الذكوري… أو انه كان لها
هواجسها الكتابية الأخرى؟ أنا بانتظار المرأة الفلسطينية التي تكتب نفسها ، احتجاجاتها، أقتراحاتها، فرحها وفخرها بجسدها ، تحللها من السقوف وتحطيمها للجدران ، طالما تمنيت شخصياً أن أكون أنثى لأفجر أسراري وخنقي وسخريتي وثراء تناقضاتي وامتداد أحاسيسي ، وصمود المرأة الفلسطينية تحت الاحتلالين، السياسي والاجتماعي يعطيها أصداء هائلة للتعبير والتحليق، ما الفن أصلا أن لم يكن وليد إحساسنا بكوننا ضحايا قوى ما؟
يراعات، كصفحة وملحق سبابي في جريدة الأيام،
وبإشراف مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي تهتم بالكتابات الشبابية… هل استطاعت أن
ترفد الثقافة الفلسطينية بأشياء جديدة؟؟
زياد خداش يعمل مع مجموعات من الأطفال والشباب من خلال المدرسة التي يدرس
فيها في مجال الكتابة الإبداعية… كيف ترى تأثير هذه الورشات عليهم… هل هي خروج
عن نمط الإنشاء في المدارس؟
اذن، هناك رغبة لدى هؤلاء في التمرد على المنهاج المقرر والدخول في عالمهم
الخاص، ورؤاهم في الكتابة؟ ممارسة الفردية في المدارس وقاحة واعتداء على روح التعاون والتماسك الاجتماع. طلبت مرة من الطلاب أن يكتبوا عن المدرسة-الحلم فأنفجروا حنقا وامتعاضا ورفضا لكل ما يمت إلى المدرسة بصلة من مقاعد ومناهج وساحات وطريقة تعامل المدرسين. وطالبوا بمدارس جديدة فيها احترام لخصوصيات الطلاب وميولهم وفيها نوافذ مفتوحة على فراغ. ( المدرسة التي ادرس فيها نوافذها محاصرة بقبضان حديدية). أحدهم حلم بمدرسة تدرس فقط الكتابة الإبداعية. |