|
في البدء
كل صباح… نتشرب موت جديد، وطريقة أخرى للقتل والتعسف الاحتلالي بنا… ورغبتنا في الحياة لم تنقص بعد… لمى، ابنة أختي الصغيرة والتي لم يتجاوز عمرها عاما ونصف… كانت تقول على الهاتف.." طخ..طخ" وذلك حين اتصلت بأختي وزوجها في بيت ريما صباح المذبحة لأطمئن عليهم… لمى كانت تعرف أن هناك في الخارج، وفي مسافة لا تزيد عن عشرين مترا عن بيتها، تقف دبابات إسرائيلية تتربص لها إن خرجت من بيتها لتمارس لعبها ولهوها الصباحي مع أولاد عمها الصغار، والذين يسكنون في الطابق العلوي في نفس البيت… لمى كانت تعرف ذلك تماما، وكانت تعرف أنها في بيت ريما ستجلس ذات يوم مع أحفادها الصغار لتروي لهم".. كنت صغيرة جدا، عمري لم يتجاوز حبة برتقال، وجسدي لا يتعدى كتلة صغيرة من الثلج… نهضت من نومي فزعة.. كانت عينا أمي ترتجفان لدرجة انهما لم تستطيعا أن تحتويا خوفي، وأبي يحلم بأن البومة ستغادر صحوته بعد قليل… كنت طفلة، أحلم بليل شتائي طويل، يمتلئ بمطر أبيض، وصبح تغمره فرحتي بشمس جاءت محملة برغبة في لعب، والهروب عن صدر أمي قليلا.. أحب الصباح أمام بيتي، أريد النظر للوادي الأخضر قليلا، ومئذنة القرية البعيدة.. أريد هواء أبيضا يشبه لغتي، ورغبة في فرح يمحو غبار الآلهة وتلف أغاني العابرين إلى صلاة الشجر ستخبرهم لمى عن ذلك، وعن الصباح الذي جاء محملا بدماء خمسة من الشهداء ظلوا ينزفون وردا، والبومة تراقب ذلك بكل غرور وخيلاء متجردة من كل مفاهيم الرحمة الحيوانية أو الإنسانية… والبومة تسرق هوائنا لا شيء يبق سوى هذا الخيط ورؤى الطرقات… ستخبرهم لمى عن الحصار، وأن جارتها لم تكن تذهب للجامعة لفترة طويلة بسبب الطرق المحاصرة والمغلقة.. وستخبرهم عما كانت تشاهده يوميا على شاشات التلفاز من قتل وذبح ومجازر يومية لأطفال بعمرها … أصغر أو أكبر قليلا… وستخبرهم إنها منذ أكثر من ستة اشهر لم تر جدتها وجدها لأنها لا تستطيع الوصول إليهم. ففي الطريق أكثر من خمسة حواجز إحتلالية إسرائيلية… لمى ستكون عجوز كبيرة جدا، بذاكرة طفولية جدا، ممتلئة بأحاسيس في حرمان من طفولة ملآى باللعب، والفوضى، والأحلام . * * *
يصدر هذا العدد من يراعات متزامنا مع الذكرى السنوية الخامسة لصدور أول عدد منها… خمسة أعوام من العطاء المختلف والمتجدد. ملاحق شهرية كثيرة بمحاور متعددة، وغنية بما يهم الشباب الفلسطيني، وصفحات أسبوعية ملآى بنصوص شعرية ونثرية تعبر عن الشباب والشابات الذين وجدوا في يراعات مآوى يحتضن رؤاهم، وتجاربهم المختلفة… إن تعميم التجربة من خلال تبادل الأدوار في يراعات، وتكثيف العمل مع المجموعات الشبابية في مختلف المناطق رؤية أساسية، وتوجه ضروري في يراعات، ولذلك نعمل على توسيع عملنا مع هذه الفئات من خلال تشكيل هيئات أو لجان أصدقاء يراعات في المناطق المختلفة، بهدف تشكيل هيئات تحرير مركزية في هذه المناطق تكون أساسا أوليا لتشكيل هيئة تحرير مركزية ستعمل على البدء في مشروع مجلة شبابية من الشباب وإليهم أيضا. وخلال السنوات الخمس التي عملت فيها يراعات في هذا المجال الصحفي والأدبي، تغيرت هيئة تحريرها أكثر من مرة… أضيفت لها أسماء جديدة، وحذفت منها أسماء أيضا، وكل ذلك كان بهدف إفساح المجال لأكبر عدد ممكن من الشباب والشابات المهتمون بخوض التجربة للانخراط بها. يأتي هذا الملحق، بما يحمله من نصوص وأفكار ليعبر عن فكرة انخراط يراعات في الواقع الشبابي الفلسطيني، معبرا عن همومهم، وقضيتهم، ورغبتهم في وطن يمتلأ بالحرية، والفراش، والفرح. |