نافذة في بيت لحم

لما جميل طرايرة
15 سنة، القدس

جلست وحيدا، أنظر، أحدق، أحلل، أفكر في الحال التي آلت إليها بيت لحم في هذه اللحظة. نافذة غرفتي الصغيرة في منزلي القديم، تطل على بيت لحم، على الحكايات الحزينة، وعلى الدمار والهلاك… على الحجارة والدم، نافذة تطل على الموت والرغبة سرقة الحلم الطفولي، سرقة الأمل، سرقة الحياة ، وسرقة الوطن. ومن هذه النافذة، نور مختنق يدخل بشعاعه الباهت ليهبط على صورة رائعة لعائلتي الصغيرة: زوجتي الحبيبة ، رحمها الله، وعلامات المرض بادية على محياها العظيم، والابتسامة التي عهدتها دائما على وجهها الرائع، تحمل حسان، رضيع صغير تحلم به عظيما كبيرا، وإبراهيم يجلس على رجلي كالملاك الصغير، وتيسير يقف بيننا ويضمني بيديه الناعمتين ويحلم بالمستقبل الكبير، وهو في نظري رجل بل من أعظم الرجال. لا بد أنه كان الأكثر تأثرا لموت أمه… فهو لطالما رعاها ولبى طلباتها كالمحسن الصغير، وربما هذا ما جعله لاحقا بمثابة الأم لأخيه حسان، وربما هذا ما جعله أكثر أبنائي جبنا وانزواء عن الآخرين، ولكنه رغم كل شيء كان الأفضل في نظري، وكلما وبخته لخوفه وجبنه كانت الكلمات تصدر من قلبي وهو يحترق ألما.

حولت نظري إلى السماء، إلى نجومها الرائعة اللامعة. ترى إلى أين تمتد؟ أين تصل؟ وأي شيء هو ذاك الذي تطبعه هذه السماء في نفسي كلما حدقت في نجومها؟ أي شيء؟ كلما نظرت إلى غيومها لأرى آمالي، كلما سخرت كل طاقتي لإدراك طاقتها لم أستطع.

ترى إلى متى؟ إلى متى الحزن؟ إلى متى المعاناة؟ إلى متى الدموع وإلى متى الحياة دون حياة؟

لمعت رصاصة أمام عيني كشبح الموت، ثم دخلت في الحائط المجاور. لن أتحرك من مكاني، وإن كان جيراني قد تركوا المنزل فأنا لن أترك، وإن كانوا قد رحلوا فأنا لن أرحل، وإن كانوا قد استسلموا فأنا لن استسلم.

استيقظ حسان، نظر حوله، كان أول ما قاله: أين تيسير؟… سرت نحوه، وحملته بين يدي. ضممته إلى صدري وقبلته وطمأنته بأن تيسير سيعود قريبا… لم يسألني عن أصوات الرصاص ولا عن أنوار القصف، ترى لماذا؟ ألأنه اعتاد على سماعها أم لأنه يئس من سماع جوابي على أسئلته.

نظرت إليه والدموع تتساقط من عينيه، كان يبكي بحرقة، وتركته يفعل ذلك، فالبكاء هو السبيل الوحيد للتعبير عن شعور طفل في مثل سنه يسأل عن أخيه فلا يجده، يسأل عن ألعابه فلا يجدها، يسأل عن حياته فلا يجد إليها سبيلا، يسأل ولكن لا جواب وهو ببكائه يحاول استخراج جواب مني، إلا أنني أيضا لا أعلم الجواب.

تأخر تيسير، وبدأ القلق يتسرب إلى قلبي أيضا. حسان ينام بين يدي، وإبراهيم في السرير لا يستطيع أن يهدأ، وأنا بلا معين أو مساعد. أهدئ هذا حينا وذاك في الحين الآخر، ولا أحد يعينني سوى السماء ونجومها… أين أنت يا تيسير؟ لماذا تأخرت؟ وعدتني أن تعود بسرعة، فلماذا لم تعد بعد؟ قلت إنك ذاهب لزيارة قبر أمك، رحمها الله، وأنك لن تتأخر، فلماذا لم تعد بعد؟ ترى هل خرج معهم؟ هل قرر أن يذهب أخيرا؟ هل استطاع ابني أن ينهي الخلاف بينه وبين الحجر؟ وهل استطاع الخروج مع أقرانه بالرغم من خوفه؟ كان دائما يحب الابتعاد، فهل اقترب هذه المرة؟ وإن كان قد فعل، فما الدافع الذي جعله يتقدم؟ أهو توبيخي له بسبب جبنه وخوفه؟ هل حركت كلماتي الروح الجياشة في داخله؟ هل استطاعت كلمة الوطن أن تغير منطقه؟ وهل استطاع تعبير الحرية أن يخرجه من أسره؟ ولماذا أشك في ذلك؟ تيسير ابني وأنا الأعلم به. لا بد أنه فهم كلامي، ولكني أرجو أن يكون طبقه لمغزاه لا ليريني بأنه ليس جبانا. أرجو أنه فهم إنني لا أريده يموت ولكنني أريده أن يعلو، أن يرتفع ويسمو. أرجو أن يكون قد فهم أن الوطن سيعود، وأن الأرض سترجع، وأن الحياة زهرة لا تذبل. أتمنى ذلك من كل قلبي. هل فهمني يا ترى؟ هل فهم أننا شعب لن يركع ما دام بريق الحلم في أعيننا يلمع، وما دام في قلبنا روح فلسطينية الحق تصنع... وما دام في أيدينا حجر ضد العدو يسطع.

عظم الخوف في صدري، حسان لا يزال نائما، لا بد أنه يحلم بتيسير. نظرت إلى إبراهيم، لا يزال يبكي، ويفكر في أخيه… لا بد أنه يدعو الله أن يعيده إلينا بأسرع وقت ممكن. جلست بجانبه على سريره الصغير، أدركت أنه يبكي بحرارة ولم أجد الكلمات المناسبة لأراضيه. هل أقول له أن تيسير سيعود، ولكن من يضمن لي ذلك؟ هل أقول له أنه سيكون شهيدا فأرغبه بالشهادة أيضا وافقدهما معا، وهذا ما لا أريده…هل أقول له أنه قادر على التحمل ولكنني لا أقوى على قول ذلك، فأنا أيضا لا أستطيع أن أتحمل غياب تيسير. حسان لا يبرح أن يكف عن البكاء حتى يعود إليه .

هبا يا تيسير، عد، فأنت شجاع… شجاع يا بني وأنا أعترف لك بذلك، عد. عدت إلى النافذة، نظرت إلى الشوارع المليئة بالصبية الذين يحترق فيهم شعاع الغضب، يملأهم أمل المستقبل فيقدمون حياتهم طلبا لنيله.

هناك في البعيد نزلت دمعة، ومن إحدى زقاق بيت لحم انطلقت صرخة، ومن باب بيتي الصغير دخل تيسير. وقف عند الباب، وحدق في وجهي، عيناه تحترقان، وقلبه يتمزق… نفسه سريع، وبريق نظرته مليء بالغضب والخوف. بخطى سريعة اتجهت نحوه، سألته ولم يجب. وضعت يدي على كتفه وحاولت إيقاظه مما هو فيه ولم استطع. سرعة تنفسه ازدادت، وخوفي عليه كبر… ضممته إلى صدري، هدأت من روعه إلى أن انفجر باكيا، ضمني بيديه الصغيرتين وبكى بكاء حارا تخللته بين اللحظة والأخرى لمحة غضب صارخ في جوف طفلي لتصدر عنه كلمات حارقة قاتلة" .. أبي … لم أستطع إيجاد قبر أمي يا أبي… لم أستطع إيجاده.. إنهم وحوش، يحطمون كل ما يرون في طريقهم… يشعلون النار في جوف طفل يبكي، يطلقون الرصاص على صدر أم تروي ذكريات ألم، ويؤرخون قصة ألم آخر في جسد والد يرى الظلم والقهر والدم ولا يشكي… يحرقون البيوت ويقتلون الأبرياء… لماذا يا أبي؟ لماذا لم أستطع إيجاد قبر أمي؟؟؟

وعندما عدت إلى النافذة وجلست وحيدا، أنظر، أحدق، أحلل، أفكر في الحال الذي آل إليه العالم… عالم يرى دمعة في عين طفل فلا يمسحها، عالم يرى الظلم ولا يسمع، وإن سمع لا يتكلمن وإن تكلم كذب. أين أنت يا بيت لحم من هذا العالم الظالم؟ أين أنت يا بلدة المسيح ويا زهرة فلسطين، ويا حزينة العالم؟ أين نور زقاقك، وأين ضحكة أطفالك، وآمال شبابك؟…أين هو ذلك العالم الذي قضى عليك؟ قضى على ضحكة في وجه إبراهيم، وعلى لعبة في يد حسان، وعلى حلم في روح تيسير؟